الصفحة الرئيسية تحليل الخبراء عن هزيمة داعش في الباغوز وانتصار غيرها

عن هزيمة داعش في الباغوز وانتصار غيرها

 

موفق نيربية*

ما بين أوائل شباط فبراير الماضي، والثالث والعشرين من آذار، وبدعم ناري ولوجستي جوي وأرضي من قوات التحالف “المحاربة لداعش”، شنت قوات سوريا الديموقراطية هجوماً نهائياً على ثلاث موجات يفصل بينها وقت استراحة وإتاحة فرصة للمدنيين والمستسلمين بالخروج. وكانت النتيجة العسكرية هي هزيمة داعش ونهاية بنيتها المنظمة على نسق ”الدولة” و “الجيش”. وغير معروف ولا معلن ما جرى في الأيام أو الساعات الأخيرة قبل انتهاء المعركة عملياً، الأمر الذي يذكر جيداً بانتهاء معركة مطار بغداد قبل ستة عشر عاماً، كما تذكر بعض الصور بآثار معركة استخدم فيها شيء من قبيل” القنابل الأمهات”، الواسعة والعميقة التأثير والحاسمة. وقد أتاح ذلك الفصل الأخير المجال للشكوك بأن ما حصل في النهاية هو مسح ناري، ربما قتل آخر المقاتلين الإرهابيين.. مع عائلاتهم، أو من تبقى معهم من المدنيين.. يتكرر رقم الألف مدني، ولا يقوم المنتصرون بالمساعدة على كشف حقيقة ذلك، ليسهموا بذلك بدورهم بتعزيز تلك الأخبار.
لا بدّ من التأكيد على المسألة الأكثر أهمية الآن، وهي هزيمة داعش بحدّ ذاتها. صحيح إنه قد يُقال إنها ربما لم تنته وأن هنالك كثيراً من الأسئلة التي ما زالت من دون أجوبة حول ما حدث وما يمكن أن يحدث بعد، ولكن الهزيمة العسكرية من جهة، وتدمير مشروع ”الدولة- الخلافة” الذي حملته داعش وحاولت تطبيقه، من جهة أخرى.. هما أمران ثابتان ومحسومان. ما يزيد من أهمية التأكيد على هذه النقطة هو اللغط الدائر، ومحاولة البعض تضييع لوحة الهزيمة بطرح النقاط الأخرى، التي- مهما بلغت درجة دقتها أو صحتها، كثيراً أو قليلاً- هي مسائل أقل أهمية حتماً من حدث الهزيمة، ومعانيه التاريخية.
في مقابل مفهوم الهزيمة، هنالك مفهوم “الانتصار”. وهنا من الواضح أن “جبهةً” ما بين ”التحالف” و ”قسد”، وبعمل متكامل بإدارة أمريكية للأمر، هي الطرف المنتصر عسكرياً. وهي من سيقطف ثمار هذه النتيجة الهامة، أو بعضها على الأقل. هنا يمكن الإشارة أيضاً إلى أهمية المعارك الأرضية ومخاطرها، وإلى نجاح قسد في مهمتها الصعبة والمعقدة مع عدو من هذا النوع.
وقد حظيت قسد بهذه الأفضلية بسبب قبولها لشرط التركيز على محاربة داعش من دون النظام، وكانت قبول ذلك سهلاً عليها بسياساتها وأولوياتها. في حين رفضت القوى العسكرية السورية المعارضة الأخرى لتلك الشروط آنذاك، تحت تأثير الضعف وغلبة الإيديولوجيا وبعض الدول الداعمة القوية، وبسبب غياب الرؤية الاستراتيجية والانضباط الكافي في حينه أيضاً. وربما لحسابات تفرضها التنافسات الداخلية بين قوى المعارضة، مع حذر كل منها من غيره ومزاودته عليه. ويبدي البعض ندماً على ذلك الرفض و”الممانعة”، وعلى تضييع فرصة ممتازة، لحساب تسهيل وجود معادلة مهزوزة ومهتزة فيما بعد.
سوف ينعكس، عاجلاً أم آجلاً، تركيب قسد ونواتها الضاربة سلبياً عليها، وتتجلى غربتها عن تلك المناطق. ولا يساعدها على التزام الحكمة أن تستسهل القوى والتجمعات العربية والعديد من أطراف المعارضة سياساتٍ تركّز على التقليل من أهمية هزيمة داعش- جيش الإرهاب العالمي الضارب- ويعطي المبررات لاتهام قوى العرب- السنّة خصوصاً بأنها من أنصار داعش الضمنيين حين تقع المفاضلة بينها وبين قسد، أو المساوين بينهما.. ربما تنجح عندئذ، إلى هذا الحد أو ذاك، سياسة إظهار مجتمع المناطق المعنية كحاضنة للإرهاب، وهذا خطر داهم يضيف إلى مأساتنا عناصر فوق عناصرها العديدة، تنحدر بنا إلى درك أعمق.
من المهم التأكيد على ذلك الموقف المعادي بأصالة للإرهاب، وكذلك على ضرورة أن يدير أهالي المناطق مناطقهم ويضبطوا أمنها، وأن يُطلب وبإلحاح ابتعاد قوات قسد إلى أماكن تمركز لا تتقاطع مع التجمعات السكنية، وذلك حتى يكون ممكناً الانتقال إلى أوضاع أكثر ثباتاً تراعي الترابط مع الوطن السوري، وتراعي عملية الانتقال السياسي ومتطلباتها فيما بعد.
التعامل بموضوعية مع الأمر الواقع الجديد، لا ينفي أهمية التأكيد على خطر سياسات “البي يي دي” الشمولية القمعية، وأيضاً خطر سياساته التقسيمية للناس وللأرض التي لا بد من التراجع عنها بشكل حاسم ونهائي، طالما تنفرد قسد عمّا يربطها بالوطنية السورية حتى الآن، كواقع حال. وهنا ينبغي التأكيد على حق القوى جميعها بالوجود والتفاعل سلمياً والاشتراك في إدارة أمورها، كردية كانت أم عربية أم مختلطة. بمعنى إنهاء أي شكل من الاستفراد والإقصاء والتفتيت، سواء ضد القوى الكردية الأخرى أم العربية.. أم السورية.
وقد يكون منطلقاً لاستراتيجية تنفد ما بين عناصر المأزق، أن يتمّ دعم وتطوير محاولات التوفيق بين السياستين التركية والأمريكية في المنطقة، وفي سوريا عموماً. والتأكيد على أن المنطقة الأمنة حين يتم تطبيقها، لا تعني فقط ضمان الأمن القومي التركي، بل منع قوى الإرهاب وقوى النظام من العودة أيضاً، ومساهمة أهل المنطقة والوطنيين السوريين في تشكيل ملامح وعناصر تلك المنطقة، حتى يسهم ذلك في تسهيل حل سياسي للمسألة السورية برمتها.
وعلى نسق تلك الاستراتيجية ذاتها، يمكن المطالبة بخروج جميع عناصر الب كي كي من سوريا من دون عودة، وكذلك عودة القوى الأخرى- كردية وعربية- إلى مناطقها ومساهمتها في الحفاظ على الأمن والاستقرار. قد يساعد هذا وذاك على البدء بحوار أو نقاش وطني وشامل، وتستطيع منطقة شرق الفرات أن تكون عندئذ مركز تجميع وتنمية للطاقات الوطنية السورية، ويكون لها تأثيرها ودورها في عملية الانتقال السياسي لسوريا بمجملها، وبوحدتها.
ثمة نقطة تم ترحيلها للأخير عمداً، رغم أهميتها المطلقة من الناحية الإنسانية على الأقل، وهي ضرورة البدء بتحقيق دولي محايد حول مدى التزام التحالف وقسد بالقانون الدولي الإنساني وباتفاقيات جنيف في معركة الباغوز، وبحث كافة الانتهاكات الخطيرة التي يجري الحديث عنها، وخصوصاً تجاه الأطفال والنساء. هذه الانتهاكات إن ثبتت، ينبغي أن يحاسب مرتكبوها مهما كانوا: جيش دولة عظمى كالولايات المتحدة، أو قوات تم تلزيمها هذه العملية، وربما تكون أو لا تكون على تلك الكفاءة التي يتحدث الكثيرون بها، ما دام مغلّفها السياسي قاصراً لا يتسع مع مساحة سوريا.

*كاتب وسياسي سوري معارض