نايف القدور*

تقع مدينة أفاميا على بعد 60 كيلومترا من مدينة حماه. على أطراف وادي العاصي (في سهل الغاب) مواجهة لسلسلة جبال اللاذقية، من خلال النصوص المسمارية يمكن القول بأن المدينة كانت عامرة في الألف الثاني قبل الميلاد.
وقد شهدت أفاميا ذروة مجدها في الفترة الهلنستية والرومانية، فعندما وصل الاسكندر الأكبر إلى هذه البقعة كانت هناك بلدة اسمها “فارناكه” وقد بدلها باسم (بيلا تيمما) باسم مسقط رأس والده في مقدونيا. وعندما انفرد (سلوقس الأول) بحكم سوريا في عام (301 ق.م) قام بتحصين وتوسيع تلك المدينة لكنه بدل اسم المدينة من بيلا إلى أفاميا تيمنا باسم الأميرة الفارسية التي أصبحت زوجته في “سوزا “حين كان قائدا من قادة الاسكندر الأكبر أثناء فتوحاته. وظل اسم أفاميا محافظا على نفسه طوال الفترة الرومانية وكذلك بعد الفتح العربي وأثناء الوجود الصليبي، لكن تراجع أمام اسم قلعة المضيق منذ (17م) وظل اسم قلعة المضيق هو الأكثر استخداما في العصر الحديث.
أسس (سلوقس نيكاتور) أربع مدن نسبها إلى أفراد عائلته وهم مدينة (انطاكية-Anatiochia) نسبة لأبيه، مدينة سلوقية (Seleuceia) نسبة إليه، ومدينة اللاذقية (Laodiceia) نسبة إلى أمه، وأخيرا أفاميا (Apameia) نسبة لزوجته. وقد اشتهرت مدينة أفاميا منذ العصور القديمة بتربية الخيول والفيلة حيث جعلها السلوقيين مربطا للقسم الاعظم من خيول وفيلة جيوشهم.
وفي عام (64 ق.م) احتل القائد الروماني “بومبي” مدينة أفاميا بعد هدم قلعتها التي كانت في مكان قلعة المضيق الحالية، لكن سرعان ما استعادت المدينة ازدهارها وتكاثر عدد سكانها إلى حد جعلها حاضرة كبرى في سورية. وبقيت أفاميا حتى الفتح الإسلامي نقطة عسكرية حصينة ومحطة هامة على الطريق التجاري في العصور القديمة. وتوقف كل من كيلوبترا والامبراطور كاراكلا أمام أسوارها، وكانت الفرقة الباريثية الثانية تتخذ منها مقرا شتويا. وقد كانت أفاميا مقرا لبطريركية خلال القرن الرابع، وقد تطورت حتى أصبحت مقرا للكنيسة الشرقية. وفي القرن الخامس الميلادي، احتوت على العديد من المباني الدينية الهامة. وقد ألمت بالمدينة خلال القرنين السادس والسابع عدة كوارث منها الاحتلال الفارسي فيما بين (613- 618 م) والزلزال التي أدت الى انهيار مبانيها.
دخلها العرب المسلمون صلحا بقيادة “أبو عبيدة ابن الجراح” في العام السابع عشر للهجرة ووجدوا المدينة انقاضا وسيطروا على قلعتها. ثم احتلها الصليبيون بقيادة أمير انطاكيا ومنها كانوا يهاجمون العرب المتحصنين في قلعة “شيزر” ولكن في عام “504هجري” انتزعها نور الدين الزنكي.
تهدمت القلعة في زلزال “559هجري” إلا أن نور الدين رممها وأعاد تحصينها. أما في العهد العثماني فقدت القلعة أهميتها.


وصف المدينة: بنيت المدينة حسب النظام الهلنستي على شكل رقعة الشطرنج، وتغطي حوالي 250 هكتارا. يحيط بها سور حجري طوله حوالي سبع كيلومترات، وارتفاعه ما بين (2-7مترا) وقد بني على مراحل حيث قسمه الأسفل يوناني سلوقي، وفوقه الروماني أما العلوي والأبراج بيزنطية. وقد عثر على عدد كبير من القبور خارج الأسوار. يمتد الشارع المستقيم من الجنوب إلى الشمال حيث يمثل تحفة معمارية حقيقية طوله 1174مترا وعرضه مع الأروقة 38.5مترا، وتلتصق بجذوع الأعمدة الحلزونية ذات الطابع الكورنثي قواعد حجرية بارزة كانت تحمل تماثيل الوجهاء من أهل المدينة أو الاشخاص الذين قدموا خدمات للمدينة، وله مدخلان في نهايته، حيث لكل مدخل قوس جميل وبرج على كل جانب يدعى الباب الشمالي بوابة انطاكيا والبوابة الجنوبية بوابة حماه. وتمتلك المدينة سبع بوابات فخمة لتأمين الدخول والخروج منها، وكل بوابة تتصل بطريق عام يتجه إلى انطاكية واللاذقية ولارسا وحماه(إبيفانيا) وتدمر وأسريا(سيريانا) وقنسرين(كالسيس). وهناك العديد من الأبنية الأثرية في الموقع:
معبد الحوريات: يقع إلى الشرق من الشارع الرئيسي وهو على هيئة “exedra” ويفتح على الشارع الأعظم مباشرة، وكان هذا المبنى مزخرفا بالعديد من صور الآلهة اليونانية والرومانية.
الآغورا أو الفورم: تقع إلى الجنوب من الشارع العرضي وعند تقاطع الشارعين الرئيسين يبلغ طولها 150مترا وعرضها 25مترا وهي مركز الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المدينة اليونانية.
المسرح: يقع غرب المدينة وإلى الجنوب من التقاطع العرضي الثاني يقع مسرح المدينة الذي يأخذ شكل نصف الدائرة ومحيطه ما يقرب من 135مترا وهو أكبر المسارح في سورية. ويرجح تاريخ البناء في عصر الامبراطور “ماركوس”.
القلعة: تقع قلعة أفاميا فوق هضبة عالية تنحدر من كل جوانبها باتجاه السهل وقد ساهمت هذه القلعة في حماية المدينة في عصر السلوقيين.
الحمامات: تقع الحمامات في الشمال الشرقي من الشارع الرئيسي وتتكون من الاجزاء الثلاثة المعروفة.


أهم الأضرار في الموقع الاثري:
1-تعرض الموقع الأثري للقصف من قبل قوات النظام أدى الى أضرار كبيرة.
2-تعرضت قلعة المضيق لأضرار كبيرة حيث تم تحويل القلعة إلى ثكنة عسكرية لقوات النظام وهي موجودة حتى الآن.
3-انتشار كبير لظاهرة التنقيب الغير شرعي في الموقع الاثري حيث تم توثيق أكثر من 2000حالة.
4-تم توثيق الكثير من القطع الأثرية المستخرجة من الموقع الأثري وخاصة لوحات الفسيفساء حيث تم بيعها بأرخص الأثمان إلى خارج سوريا.

*باحث أثري