الصفحة الرئيسية رأي وتحليل إدلب أسئلة مفتوحة على الموت المؤجل

إدلب أسئلة مفتوحة على الموت المؤجل

 

ترسم معارك الشمال في الريف الجنوبي لإدلب وريفي حماه الشمالي والغربي بدماء الضحايا السوريين معالم الاتفاقيات المؤجل تنفيذ كامل بنودها، منذ توقيع اتفاق مناطق خفض التصعيد، ومنها إدلب ومناطق من المحافظات المجاورة لها اللاذقية وحماة وحلب(4مايو/أيار 2017)، ومضامينها غير المعروفة إلا لضامني اجتماعات آستانة الثلاثة (إيران، روسيا، تركيا)، وأدواتهم من وفود آستانة المحسوبين على السوريين كممثلين على الجانبين معارضة ونظام، وتكشف النتائج المؤلمة للمعركة الشرسة تفاهمات الضامنين على تقسيم سوريا إلى ولايات نفوذ دولية، يربطها خيط وهمي تحت شعار وحدة الأراضي السورية، وهو التيمة التي يذيل فيها شركاء القصف بيانات ختام جولاتهم الدعائية، بحضور سوري يقتصر على دور شهود الزور للمشاركة في التوقيع على موت السوريين وفق شرعية دولية ثلاثية بموافقة غير علنية من مجتمع دولي عاجز.
ورغم أن الجهات الثلاثة أوضحت منذ ذلك الحين أن الاتفاق مؤقت، أي أن المعركة كانت فقط مؤجلة، وأن التسويفات التي صدرتها لنا وجوه المعارضة على أنها انتصارات في آستانا لم تكن إلا للتلاعب بأولويات الثورة والمشاركة في سلطة مغتصبة من الأطراف جميعها، وانتزاع التفاوض من موقعه الأممي في جنيف إلى حدود رغبات داعمي الأسماء التي اعتلت تمثيل الثورة على طاولة تفاوض وهمية، وقد ورد في بند الاتفاق الأول ذلك بوضوح أن العملية برمتها هي لفسح المجال لإنهاء الدول معاركهم خارج إدلب ثم تكون هي معركة الحسم في وهم الانتصار للمعارضة المسلحة المحسوبة على الداعم التركي.
وبينما يؤكد الاتفاق في بنده الخامس على مواصلة القتال ضد الإرهاب من (داعش وجبهة النصرة)، سلمت الفصائل العاملة تحت الاشراف التركي كامل المساحة لجبهة النصرة تحت غطاء معارك وهمية معها، كان ضحيتها فصائل صغيرة، أرادت فعلياً قتال النصرة بعيداً عن أجندات التفاهمات التركية، فمنيت بالهزيمة وتفككت، ولم يسمح إلا لقلة من أهالي المنطقة بالانضمام إلى الجبهة الوطنية، بينما شرد كل من لم يوافق على أجندة التوافقات.
ما يعني أن هذا الاتفاق سرعان ما شارف على الانهيار، لأسباب تتعلق بخلافات الضامنين، ومحاولة كل منهم أن يتكئ على الآخر لإزاحته من قلب تفاهماته مع واشنطن تارة، ولتحقيق تسوية من طرف واحد تارة أخرى، وهو ما استدعى توالي الاجتماعات لاحقاً لتمديد الاتفاق، ولبلورة خارطة الطريق التي تسمح بتقاسم النفوذ على المناطق شرق الفرات وغربه، وفق الاتفاق الذي جرى تأكيده في اجتماع قمة في سوتشي جمع بين الرئيسين الروسي والتركي في(17/9/2018)، وتم الاتفاق بموجبه على منطقة منزوعة السلاح، وتولي تركيا إنهاء نفوذ جبهة النصرة، والتي غالباً كانت تمثل ورقة التفاوض الأقوى لأنقره مع موسكو.
لقد انسحبت آنذاك  النصرة من 250 قرية معظمها في إدلب وريف حلب، لتنفيذ مضمون الاتفاق الذي سعت أطراف في المعارضة لإخفاء تفاصيله، وهو تسليم الطرق الدولية حلب- اللاذقية، حلب دمشق، التي تصر موسكو من خلال قصفها اليوم على إدلب وحماه تحت غطاء (الحرب على الإرهاب) على إعادتها تحت سيطرة النظام، ما يوجب مواصلة حربها حتى استرداد خان شيخون وأريحا وجسر الشغور، أي تسليم الجزء الغربي من سهل الغاب وصولاً إلى قلعة المضيق للنظام، مقابل بقاء إدلب المدينة وبعض ريفها لتكون ملاذاً للسكان الذين يفوق عددهم عن ثلاثة ملايين سوري، دون أن تتغير تبعيتها الدولية (إن أمكن)، أي تبقى تحت سيطرة النصرة بشقها المدني (حكومة الإنقاذ) التي لم يحن موعد إنهائها- حسب مجريات الأحداث، وهو الأمر الذي جعل الفصائل المحسوبة على المعارضة أن تتخلى عن مهمة الدفاع عن المدنيين في مناطق القصف، وتفتح معاركها مع القوات الكردية وسط صمت دولي وموافقة روسية لتصل مدعومة بالجيش التركي حتى تل رفعت وبذلك تصبح المقايضة واضحة: المنطقة من الباب إلى أعزاز حتى تل رفعت لتركيا مقابل الطرق الدولية لروسيا وإيران والنظام.
ويبقى معبر باب الهوى محل تفاوض قادم بين تركيا والنظام عبر الوسيط الروسي الذي تقصف طائراته المدنيين في الشمال، بينما تلوذ تركيا “الضامن لخفض التصعيد” بالصمت بسبب معركتها المحورية ضد قوات سوريا الديمقراطية!
ويبقى السؤال الذي يشغل بال كل الأطراف: هل تمنح تركيا للنظام معبر باب الهوى بعد أن أنهت أعمال ترميمه وتوسيعه، وتخنق جبهة النصرة حيث هو معبرها الرئيسي، أم تبادل باب الهوى بمعبر (الراعي الباب- الباب حلب) الذي أعدته بمواصفات دولية حسب البروتكول الموقع بين تركيا والنظام قبل الثورة؟
أسئلة مفتوحة على الموت السوري بينما تقطف الدول الضامنة ثمار اتفاقياتها وتحالفاتها وخلافاتها وتوافقاتها من دماء السوريين، وعلى حساب جسد دولتهم التي لا تبدو في القريب “سوريا الواحدة” لا أرضاً ولا شعباً.

 *كاتبة سورية

مصدر الصورة: الدفاع المدني السوري