نايف القدور*

لم تسلم الحضارة السورية وآثارها من قصف وغارات نظام الأسد وحليفه الروسي، كما لم يسلم البشر منها، فانتقام النظام من الشعب الثائر وصل حتى لشواهد أثرية ومدن تروي حضارات وتاريخ تعاقب على سوريا.
سرجيلا واحدة من المدن المنسية في إدلب تقع “سرجيلا” شرق” كفر البارا” حوالي (3,5كيلومتر) في وسط جبل الزاوية في وادٍ منخفضٍ على الطريق بين البارة ومعرة النعمان، وهي واحدة من القرى الأثرية في الهضبة الكلسية المحفوظة بشكل جيد. وتعطي صورة عن وضع الأرياف في شمال سورية خلال الفترتين الرومانية والبيزنطية.
تعد “سرجيلا” من أهم القرى الأثرية المهجورة على الإطلاق حيث تعرضت كغيرها للحروب والزلازل وحررت على يد نور الدين الزنكي عام 1148م.
تكمن أهمية “سرجيلا” بأنها تعطينا فكرة عن أحوال الريف العميق في سورية الرومانية والبيزنطية وتدل على أن هذا الريف كان يقطنه فلاحون نشيطون ومبدعون ويتكلمون السريانية ويعرفون اليونانية، تحول السكان من الوثنية الى المسيحية ثم اعتنق بعضهم الإسلام قبل الرحيل التدريجي عن هذه القرى. تم اكتشاف العديد من الكتابات المسيحية والعربية في الموقع حيث تم توثيقها من قبل الرحالة الذين زاروا المنطقة منهم “بريتون” و”دريك” عام 1871م.
تشتهر “سرجيلا” بمعاصرها ومدافنها السطحية ذات النقوش الرائعة والتي تعود للقرن الرابع وحتى السادس الميلادي. فيها الكثير من الأبنية السكنية والكنائس والحمامات والقصور ومعاصر الزيت والقبور التي بنيت على نمط واحد تقريبا، وغالبا ما تكون أبنيتها ذات طابقين وتختلف من حيث سعتها وزخرفتها باختلاف ساكنيها، وفيها كنيستان استخدمتا للعبادة أثناء الفتح الإسلامي. عرفت بـ “أندرونها” الذي كان يستخدم كدار للضيافة، ثم تحول إلى مكان لعقد الاجتماعات وحل الخلافات في القرية والذي يعود للقرن الخامس الميلادي.
و لا يزال الحمام بحالة جيدة حيث يتألف من صالة كبيرة في الشمال وسلسلة من صالات أصغر في الجنوب. ويوجد في الناحية الجنوبية خزان كبير للمياه محفور في الصخر. كما تم اكتشاف لوحة من الفسيفساء في الصالة الكبيرة تتضمن كتابة تشير إلى تاريخ بناء الحمام (473 م) واسم الشخص الذي بنى الحمام وهو “جوليانوس” أحد سكان القرية.
أما المجمع الكنسي فيتألف من كنيستين من طراز “البازليك” وفسحة سماوية، وبناء يوجد في غرف، طابقه الأرضي ثلاثة قبور.
تحتل البيوت السكنية المركز الأهم وهي مبنية على نمط واحد ومؤلفة من ثلاثة عناصر أساسية: بناء للسكن والعمل، فسحة سماوية، وسور يحيط بهذه الفسحة. حيث نلاحظ نوعين من الأبنية السكنية البسيطة التي تعود إلى الفترة الرومانية والأبنية الفخمة والقصور التي تعود إلى الفترة البيزنطية نتيجة الازدهار الاقتصادي في هذه الفترة.
التعديات الجديدة في الموقع الاثري
تعرض موقع سرجيلا الأثري بتاريخ 1 أيار / مايو 2019م لغارة من الطيران الحربي الروسي، حيث تم استهداف الموقع بثلاثة صواريخ فراغية سقطت في الساحة العليا والتي تعتبر مدخل الموقع أدت لأضرار كبيرة فيه وخاصة البناء شمالي الساحة، والذي يسمى مبنى ضيافة السياح مع الحمام الذي تم تأهيله عام 2011م بعد تسجيل موقع سرجيلا على لائحة التراث العالمي، بالإضافة إلى جدار يظهر عليه اثار الشظايا يقع يمين الساحة الرئيسية عند مدخل الموقع الاثري.

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

*باحث أثري