ليان حسن*

على باب محله في شارع الجلاء الأشهر في مدينة دوما، أكبر مدن غوطة دمشق الشرقية، يقف أحمد ويجول بناظريه منتظراً أي مشترٍ وتمضي به الساعات على هذه الحال. فثمانُ سنواتٍ من قصف قوات النظام السوري وروسيا للمنطقة، وهو القصف الذي دمّر معظم معالم دوما ولم يستثنِ أسواقها، كانت كفيلة بتحويل أسواق المدينة من وجهةٍ للمشترين من كل حدب وصوب إلى جنة خاوية على عروشها.

رمضان بلا تحضيرات أو بهجة

تجول الحاجة أم أيمن في سوق شارع الجلاء الذي كان عامراً بالمحال والبسطات التي تعرض بضائع متنوعة من ملابس ومواد غذائية، وبات الآن خالياً من كل شيء.

تقول أم أيمن: “كنت أتجول في شارع الجلاء قبل سنوات، كان مزدحماً بشدة والزينة المخصصة لاستقبال شهر رمضان تزيده بهجة مع الأناشيد الدينية التي اعتدنا سماعها في معظم شوارع المدينة أيضاً، أما الآن فقد ماتت البهجة ولا زينة ولا ازدحام، ولا تسمع في الشوارع سوى أصوات بعيدة للأغاني التي يضعها العساكر والعناصر على الحواجز”.

وبحسب شهود عيان فإن نحو 50 بالمائة من المحلات في شارع الجلاء ما تزال مغلقة، قسم كبير منها مدمّر بشكل كامل، وقسمٌ آخر يمكن ترميمه إلا أن أصحابه لا يملكون المال في الوقت الراهن لترميمه وإعادة فتحه.

توفر المواد وغياب القدرة الشرائية

تحدث عدد من الأشخاص المقيمين في دوما إلى “بوابة سوريا” مؤكدين أن المواد الغذائية من ألبان وأجبان ولحوم متوفرة، لكن بأسعار مرتفعة جداً تفوق القدرة الشرائية للسكان، وبالتالي فإن الأسواق شبه خالية من المشترين.

ويبلغ سعر الكيلو غرام الواحد من اللحم 4500 ليرة سورية، ومن البندورة 400 والخيار450، بينما يصل سعر الكيلو غرام لكلّ من الجبن و الموز إلى 1000 ليرة سورية.

شاهدة عيان في مدينة دوما قالت إن “معظم العائلات التي بقيت في المدينة ليس لديها مصدر دخل ثابت، إذ إن فرص العمل شبه معدومة سواء للنساء أو للرجال، كما أن معظم العائلات ليس لديها شبّان، فقسم من هؤلاء غادر الغوطة خلال التهجير وقسم آخر التحق بالخدمة العسكرية الإلزامية أو الاحتياطية، وقسمٌ بسيط استكمل أوراق التعليم والتحق بالجامعة أو البكالوريا/ الثانوية العامة، وبالتالي ليس لدى الأهالي القدرة على الشراء”.

“الإكرامية” مقابل البضائع

يقول مروان وهو صاحب متجر لبيع المواد الغذائية إنهم يضطرون إلى جلب المواد الغذائية من ألبان وأجبان وغيرها من مدينة دمشق، ويدفعون مبالغ كبيرة لحواجز النظام المنتشرة بشكل كبير، بالإضافة إلى تكاليف النقل العالية، وذلك لأن معامل الغوطة عموماً لم تعد إلى الإنتاج حتى اللحظة بسبب تدمير البنية التحتية، ولم تستطع الحكومة توفيرها بالشكل اللائق حتى الآن، ولقلة الغطاء الأخضر الذي فُقدَ نتيجة القصف، إلى جانب الخسارة التي لحقت بالثروة الحيوانية في المنطقة وبنسبة 80 بالمائة بحسب قوله.

من جانبه يقول أحمد في حديثه إن “تكلفة المحل أصبحت أكبر بكثير من إنتاجه، ويشكو الجميع من الحواجز التي تأخذ مبالغ كبير كرشاوى أو إكرامية مقابل السماح لسيارة البضائع القادمة من دمشق بالدخول، الزبائن قليلون والوضع المعيشيُّ متردٍّ”.

سيطرت قوات النظام على مدينة دوما في نيسان ٢٠١٨، بعد حملة عسكرية دامية وقصف لم يسبق له مثيل، وقد شبّه ناشطو المدينة أوضاعها أثناء تلك الحملة بـ “القيامة”، وانتهت الحملة بتهجير آلاف السكان إلى شمال سوريا، في الوقت الذي لا يزال فيه آلافٌ آخرون محتجزون داخل مراكز إيواء بالقرب من دوما، ممنوعون من العودة إليها.