أليمار لاذقاني*

أحدث الروس تغييرات كبيرة في بنية الميلشيات في الساحل السوري بعد بدء تدخلهم في أيلول 2015 وبسلاسة ودون إحداث الكثير من الضجيج، حيث بدأ الروس بتفكيك المجموعات الصغيرة التابعة لرجال الأعمال ومن ثم بدأ العمل على ميليشيا “الدفاع الوطني”، وبدأ النظام يمتنع عن إعفاء عناصر الميليشيا من الخدمة العسكريّة، وتوقفت أعمالها القتاليّة وصولاً إلى حل المجموعة بشكل كامل.

تم التعامل مع ميليشيا سهيل الحسن بشكل مغاير، حيث بدأ الروس بالتقرب من الحسن ومنحوه الأوسمة، وعمل عدد من ضبّاط مرفأ طرطوس على التنسيق مع علي مهنا فيما يخص نشاطه العسكري والاقتصادي، لينجح الروس لاحقاً في فك الارتباط بين الرجلين واستحواذ الروس على أموال الميليشيا بشكل كامل، بالتزامن مع تقليص عناصر “جيش النمر” بشكل تدريجي.

أما علي مهنّا فقد استقر حالياً في روسيا ويتم تقديمه فيها على أنه رجل أعمال سوري، ويذكر أن عدداً من النشاطات “الخيريّة” التي كان يشرف عليها مهنّا قد توقفت، كما تم إيقاف تجارة المهربات الكبيرة التي كان ينشط فيها ومن أبرزها الدراجات الناريّة التي كانت تدخل البلاد من الصين دون جمارك، والمواد الاستهلاكيّة من تركيا، حيث قام الروس بتوجيه مدير الجمارك على رأس دوريات مدعومة من “الأمن العسكري” لإغلاق مخازنه في بلدة خربة المعزي التي ينحدر منها مهنا.

إلى جانب ذلك قام الروس بإعادة تنشيط الأمن العسكري والأمن الجنائي، وقامت هذه الأفرع بملاحقة حملة السلاح من الميليشيات وتوقيفهم، لكن ما زال عناصر الميليشيات يتعاطون مع مشاكلهم وأزماتهم بشكل عنفي ما يؤدي لظهور حالات عنف مجتمعي متفرقة بين الحين والآخر.

يقول (ن د) والد أحد ضحايا القتل بهدف السرقة، والذي قتل ولده خريف العام الفائت بهدف سرقة دراجته الناريّة الطريق السريع الموازي لمدينة طرطوس: “أين الدولة عندما يقتل ولدي من أجل دراجة ناريّة، وما الذي أستفيده عندما يلقون القبض على عصابة تتعاطى المخدرات؟ عندما جاءنا الروس ظننّا أننا ارتحنا من الشبيحة والسرقة والنهب، ولكننا سنعاني حرباً أخرى مع هؤلاء الذين تعودوا على السرقات، وجلّهم عناصر مخابرات جويّة وشبيحة دفاع وطني، ولا تستطيع أية دوريّة أو مخفر إيقافهم. لقد أرسلوا دوريات للشرطة العسكريّة ودوريات مشتركة من الأمن العسكري والجنائيّة لكي يستطيعوا القبض على خمسة من الشبيحة، ولا أعلم إن كانوا سيحاكمون بشكل عادل، لأنهم مدعومون من ضبّاط استخبارات ولهم علاقاتهم”.

يذكر أنّ الروس سيطروا على مفاصل الجيش وتموضع نفوذهم ضمن هيئات النظام الرسميّة لضمان استمرارهم، مع ظهور شكل مافيوي جديد للعصابات تركزت بشكل كبير في مدينة اللاذقيّة، بعد حلّ ميليشات “الدفاع الوطني” و”صقور الصحراء”، ولم يتبقّ سوى مجموعات تحرس آل الأسد الذين ينشطون في قطاعات الدعارة والمخدرات بشكل كبير، حيث تضفي هذه الظاهرة على مدينة اللاذقيّة سمةً مغايرة عن باقي المدن التي تقع تحت سيطرة النظام.

الذهنية المليشيوية لنظام الأسد

بدأت مظاهر العمل الميلشيوي المسلح منذ أيام الأسد الأب، حيث كانت “سرايا الدفاع” بقيادة رفعت الأسد تتصرف كقوّات “فوق القانون” في تعاملها مع هيئات “الشرطة العسكريّة” و”الأمن العسكري”، وقامت هذه السرايا بأعمال شنيعة إبّان أحداث حماه تخللتها عمليات قتل ممنهج واغتصاب وسرقات “تعفيش” مرّت دون محاسبة. وبعد مجزرة حماه راحت الاستخبارات العسكريّة (الأمن العسكري) تنحو منحى الميلشيا في كثير من نشاطاتها، كالحصول على خوّة من تجار الأسواق وأعمال التهريب، كما برزت قوى نالت صلاحيات مماثلة وكانت مدعومة من ضبّاط لهم نفوذهم في النظام، مثل غازي كنعان ومحمود منصورة، لكنها كانت ظواهر مؤقتة تختفي بأفول الضباط النافذين أو بإعادة ضبط الصلاحيات، باستثناء ميليشيات آل الأسد التي ألقت بظلالها على مدينة اللاذقية واستحوذت على عصب الحياة الاقتصاديّة وأرهبت السكان بشكل دائم إلى أن انطلقت الثورة في سوريا، الأمر الذي جعل النظام يطلق يدها مرةً أخرى لتشارك في جميع الأعمال القتاليّة وبشكل غير مسبوق.

سطوة آل الأسد في مدينة اللاذقيّة واستحواذهم على كميات كبيرة من الأسلحة معروفة جداً، إلى جانب نشاطهم في الأعمال غير المشروعة، وفي هذا الصدد يقول (م. س) وهو ناشط سياسي من أهالي مدينة اللاذقيّة: “أصبحت ظاهرة شبيحة آل الأسد إحدى العلامات المميزة لمدينة اللاذقيّة، فقد أصبح وجودهم جزءاً من مسلّمات الناس، وأصبحت جميع أعمالهم غير القانونيّة التي تضيّق الخناق على الأهالي كأقدار محتومة لهذا الشعب المسكين، تستطيع أن ترى مقصفاً يقدّم سجائر الحشيشة على الباب في شارع رئيسي في مدينة اللاذقية الساعة الثامنة ليلاً دون أن ينبس أحد ببنت شفة، كما تنتشر بيوت الدعارة التي تتميز بأعلام السلطة و”حزب الله” الإيراني على الشرفات وبنعوات الشهداء على المداخل، في مفارقة تكاد تكون من الخيال، وذلك للدلالة على أن بيت الدعارة هذا هو في عهدة الشبيحة ولا تستطيع أية جهة تابعة للنظام التدخل، كما انتشرت المخدرات في أوساط الشباب وطلاب الجامعات والمدارس بشكل مخيف، دون حسيب أو رقيب، تاركين الناس لقمةً سائغة لأنياب المافيات المفترسة”.

لم تفارق طرائق عمل العصابات نظام الأسد الأب والابن لحظة واحدة، لكنّ هذه الظاهرة كانت تشتد لتطفو على السطح أو تهدأ قليلاً ، لتعود إلى الظهور عند الحاجة من جديد، وما ثورة الشعب السوري سوى ثورة للكرامة؛ الكرامة التي لا تحققها سوى المواطنة ودولة القانون التي ستطيح بنظام الأسد لا محالة.

لا يستطيع نظام الأسد الاستمرار دون منطق العصابات التي تبدأ بأفرع مخابراته ولا تنتهي بالميليشيات التي ما إن تختفي واحدة منها حتى تظهر الأخرى، ومن الجليّ أن طريق الشعب السوري نحو الخلاص طويل وبحاجة للوعي الفاعل والآليات الفاعلة لمواجهة منطق العصابات كمنهج للحكم قبل أي شيء آخر.