ماجد كيالي*

لم يأخذ النقاش بشأن مسار العسكرة في الثورة السورية حقّه، على النحو الصحيح، أو حيّزه، بالقدر المناسب، في الحوارات، وتبادل وجهات النظر، بين المعنيين والمهتمين والمراقبين السوريين، على رغم تأثيراته الكبيرة والخطيرة على الثورة، بكياناتها وخطاباتها وأشكال عملها وتحالفاتها الخارجية، كما على الشعب السوري وقضيته واجتماعاته الوطنية.
وقبل مناقشة هذا الموضوع الحساس، ومنعاً لأي التباس، لابد من توضيح مسألة أساسية، مفادها أن النظام هو الذي يتحمّل المسؤولية عن كل ما حصل في سوريا ولشعبها، وضمنه اندلاع الثورة والعسكرة والأسلمة والتدخّلات الخارجية، ليس بحكم مداخلاته وإقحامه الجيش وأجهزة الأمن، فقط، أو بحكم اختراقاته، فحسب، وإنما لأنه فوق هذا وذاك هو الذي تحكّم في السوريين، وبفضائهم العام (المؤسسات الدولتية والتربية والتعليم والجامعات ووسائل الإعلام، طوال حوالي نصف قرن).
وبشكل أكثر تحديداً، فإبان الأشهر الثماني الأولى للثورة (من مارس حتى نوفمبر2011)، والتي اتسمت بالسلمية، وضمن محاولات النظام الدؤوبة لرفع كلفة الثورة وتدمير حواضنها الشعبية وكسر إرادتها، فقد بلغ متوسّط عدد الشهداء شهريا حوالي 600 من السوريين، من الذين لقوا مصرعهم في عمليات إطلاق نار من قبل قوى الأمن والمخابرات والجيش والشبيحة. علما أن النظام نفّذ، في الفترة المذكورة، أربعة مجازر ذهب ضحية اثنتان منها أكثر من مائة شخص في جسر الشغور (يونيو2011) وكفر عويد (ديسمبر 2011)، واثنتان ذهب ضحية كل واحدة منها 50 شخصا، في دير الزور وحماه (2011)، أي أن ذلك حصل قبل مجازر التريمسة والحولة والقبير وزملكا وداريا والبيضا و الرستن، في الأشهر الأولى من عام 2012، وقبل ظهور التسلح والفصائل المسلحة.
بيد أن ما يفترض إدراكه جيداً هنا، أن الإقرار بتلك الحقيقة يستدعي الإقرار بأن فصائل المعارضة تتحمّل مسؤوليتها، أيضاً، في ذلك، كونها استدرجت إلى حيث أراد لها النظام، إذ أنها انخرطت في لعبته، وذهبت إلى المربعات التي يتفوق فيها، من دون أي تفحّص لإمكانياتها وللمعطيات المحيطة، وللتداعيات التي يمكن أن تنشأ عنها، وضمن ذلك تحميلها الشعب فوق طاقته، ناهيك أن أوضاعها لم تكن مهيأة لهكذا تنقّلات متسرّعة وغير مدروسة، بدليل أنها جعلتها رهينة التدخلات الخارجية فيما بعد، وبدليل أنها لم تثبت على هذا الطريق، أو لم تستطع استثماره سياسياً.
هكذا ففي نقاش التجربة السورية، ولاسيما المسلحة، يجدر لفت الانتباه إلى الملاحظات الآتية:
أولاً، أن الحديث الآن عن تقييم العمل المسلح لم يعد يتعلق بالتحليل ولا بالرغبات أو بوجهات النظر، فقط، وإنما بات يتعلق بمآلات هذه التجربة، بعد أن انتهت، أو كادت، ليس فقط مع انحسار دور فصائل المعارضة العسكرية، وتآكل المناطق “المحررة”، وإنما لأن معظم هذه الفصائل تبين عن بني هشة، ولأن تجربتها كشفت عن إخفاقات كبيرة، سواء في إدارة صراعها ضد النظام، أو في إدارتها للمناطق التي كانت تخضع لسيطرتها، أو بخصوص علاقتها مع الكيانات السياسية والناشطين المدنيين، وبالأخص بعد أن قامت معظم تلك الفصائل، في الجنوب والقلمون وريف دمشق وفي الوسط، بتسليم أسلحتها وعتادها للنظام، كما هو، والخروج من المناطق التي كانت تحت سيطرتها، أو بعد أن قام بعضها بالانسحاب من مناطقه انصياعا لأجندات أخرى خارجية، كما حصل في قصة الانسحاب من حلب (التي أخذها النظام، وإدلب لصالح جبهة النصرة)، ناهيك عن أن تلك الفصائل التي كانت تخون المفاوضات وفق بيان (جنيف1 ) ، ليس فقط تخلت عن سلاحها ومناطقها، وإنما أضحت أيضا ضمن ركاب مفاوضات مسار آستانا!
ثانياً، إن هذا الحديث يميّز بين العمل المسلح الاضطراري، والطبيعي، الناجم عن ردة فعل السوريين على وحشية النظام، أو الناشئ من انشقاق جنود وضباط من جيش النظام، من الذين رفضوا الانصياع لأوامر اطلاق النار على شعبهم، وشكلوا “الجيش الحر”، وبين العمل المسلح الذي تأسس بقرارات وتشجيعات خارجية، والذي تمكن من احتلال مشهد الصراع السوري، طوال الفترة الماضية، بحكم الدعم الخارجي له (المالي والتسليحي، علما أن هذا الشق من الكيانات العسكرية اشتغل على إزاحة الجيش الحر من المشهد، وهو الذي يتحمل مسؤولية حصر الثورة بالبعد المسلح، بدلا من بعدها الجماهيري، كما يتحمل مسؤولية “أسلمة” الثورة على حساب طابعها الوطني الديمقراطية، ما أدى إلى تصدع اجتماعات السوريين، وتقويض صدقية وعدالة ثورتهم في نظر العالم.
ثالثاً، أن الحديث عن العسكرة يتعلق بإخضاع الثورة، بكياناتها وعلاقاتها الداخلية والخارجية ونمط عملها وخطاباتها لهذا الشكل، ما يفترض التمييز بين العسكرة، واستخدام السلاح كمجرد وسيلة لتحقيق أهداف سياسية معينة. وفي الواقع فإن الجانب الأول، أي العسكرة، هو الذي طغى على حساب الجانب الثاني، بحكم تفكك العمل العسكري، بحكم وجود عشرات الكيانات العسكرية، وتبعا لعلاقاتها وارتهاناها وتوظيفاتها الخارجية المتباينة والمختلفة، كما بحكم غياب استراتيجية عسكرية مدروسة ومرتبطة باستراتيجية سياسية.
رابعاً، البعض سيحاجج، عن حق، بأن النظام لن يسقط بالمظاهرات الشعبية والعصيان المدني، لكن الجواب على ذلك، وهل سقط النظام بوجود فصائل عسكرية وباستخدام السلاح؟ والمعنى أن لدينا شكلا لم يتم تجريبه، في حين يحاول البعض نبذه أو الاستخفاف به، في حين ثمة شكل تم تجريبه، وأدى إلى كوارث مهولة، أضعفت الثورة، وتسببت بمآسي للسوريين، تمثلت بتشريد الملايين وقتل مئات ألوف ودمر مدن، وهي أثمان باهظة كان يمكن أو كان ينبغي تلافيها.
ثمة أسئلة تتفرع عن هذا النقاش، ومثلا، هل أدى استخدام العمل المسلح، كما تمت تجربته، إلى تعزيز اجتماعات السوريين أم إلى تفرقتهم؟ هل أدى إلى تقوية السوريين وتمكينهم من الصمود في وجه النظام أم أدى إلى تشريدهم، وتاليا إلى تقوية النظام؟ هل أدى العمل المسلح إلى تصليب كيانات الثورة السورية أم إلى استنزافها وإضعافها وتشتتها وتعزيز ارتهانها لأجندات خارجية؟ هل كان يفترض بالثورة السورية إنجاز مهمتها، في هذه الظروف والإمكانيات والمعطيات المحيطة، غير المواتية، مرة واحدة أم كان يفترض اعتبار ذلك مرحلة في سياق تحقيق هذه المهمة؟
أعتقد أن تلك الأسئلة تسهم في تحفيز إجابات لفهم ما حصل، في أي محاولة للتفكير الجدي والمسؤول فيما يمكن عمله لوقف هذا الانهيار.

*كاتب فلسطيني