عبد الله البشير*

“ناجيات أم ليس بعد” عبارة تحمل بين كلماتها أبعادا من المعاناة والأسى والحزن، أبعاد تحكي عن زمن مظلم عاشته نساء سوريات في أقبية السجون  ذقن فيه التعذيب وتعرضن لأبشع الممارسات اللاإنسانية. ممارسات قد لا ترتكبها الوحوش فيما بينها.
كثيرات هنّ النساء السوريات اللواتي اعتقلن في سجون النظام السوري، وقضين تحت التعذيب وتحولت صورهن لشواهد على الهولوكوست السوري الذي يمارس على الشعب المنتفض في ثورة ضد أعتى الأنظمة القمعية في التاريخ المعاصر، النسوة اللواتي قضين – قتلن-  في المعتقلات انتهت معاناتهن الجسدية والنفسية، وقد بقيت ذكراهن في نفوس المجتمع فهن بطلات وشريفات وشهيدات بنظر الجميع وهن كذلك في الحقيقة.
لكن المفارقة في أمر مرتبط يدور بفلك الاعتقال والتعذيب والموت والحياة، فالعديد من النساء نجين من براثن الموت ليخرجن ويواجهن المجتمع، والحملة التي أطلقت لأجلهن “ناجيات أم ليس بعد” تضع هذا المجتمع أمام استحقاق عليه مواجهته وتقبله، فكما تؤكد مديرة الحملة “رند صباغ” أن ازدياد حالات تعاطي المجتمع السلبي مع الناجيات وتوارد الشهادات بشكل متكرر عما حل بهنّ هو الذي دفع بالدرجة الأولى لعمل يخصهن و إطلاق هذه الحملة، فهن ناجيات نبذن من عوائلهن و أخريات لم يقبلهن المحيط، و بعضهن يعشن طي الكتمان فلا يجوز لهن الحديث عن قصصهن في المعتقل أو ما تعرضن له من تعذيب. النقطة المهمة أنه لماذا تقبل هذا المجتمع المرأة السورية التي قضت تحت التعذيب في المعتقل ويصرّ على رفض الناجية التي كتبت لها الحياة من جديد، هل يجب أن تموت النساء الناجيات ليتقبلن وتصبح قصصهن مشرفة، والحملة بدأت في الخامس عشر من إبريل / نيسان وتستمر وتنتهي بنهاية شهر أيار/ مايو.
قد تكون دعوى الحملة لفتح عقول متزمتين  وإزالة غبار تفكير سلبي علق في أذهانهم يرون النساء الناجيات و هنّ يجسدن الشرف و العفة من زاوية انتقاص، غير مدركين أنهم لو وقعوا في أسر النظام و ذاقوا العذاب في معتقلاته و كتبت لهم النجاة ووضعوا أمام نفس الموقف لبكوا دما بدل الدموع.
الآن عندما يخرج شاب من المعتقل يحتفى به ويعامل معاملة الأبطال، وفي المقابل الناجية من المعتقل ليست أقل شأنا، فلم تتلقى عذابا أقل من عذاب الشاب و لم تذرف دموعا أقل من دموع الشاب، فعلينا إدراك أنها امرأة قوية نجن من موت بشع بين أيدي سفاحين بلا رحمة، يجب دعمها و تقبل ما مرت به، و رعايتها و الوقوف بجانبها لمحو ذكريات سوداء من ماضيها، وحتى إن كان جزء من المجتمع تقبل الناجيات بصدر رحب، هذا لا يكفي.
ونقف عند مستويات لحالة الناجيات، و المستوى الأول هو المنشود منها و بحسب ما نقلت الحملة هو الأندر حاليا، فقلة من الناجيات تلقين الدعم و عدن لحياتهن، سواء على صعيد الحياة الشخصية أو العائلية أو المجتمع المحيط، وهذا المستوى يجب أن يعمم و يكون هو السائد، وهو المستوى المنطقي و النموذج المطلوب.
أما المستوى الثاني هو الرفض العلني، و يتجسد برفض العائلة أو الزوج، و هذا النوع من الرفض هو أسوأ ما تقع به الناجية، فتصبح منبوذة وحيدة بلا ذنب منها، و قد تطرد خارج محيطها لتعيش آلاما بين ذكريات الاعتقال العالقة في ذهنها و الواقع الذي تواجهه وتعيشه، فتكون حياتها أشبه بدوامة ، و قد يكون خلاصها بالحياة و حيدة. و في حالات شاذة قد تجد هذه الناجية المنبوذة زوجا لها من خارج محيطها يستوعب ماحل بها و يتقبلها كما هي.
أما المستوى الثالث فهو الرفض الداخلي غير المعلن، و ناجيات عديدات وقعن به بحسب شهاداتهن لحملة “ناجيات أم ليس بعد” به، فعوائلهن رفضوا  حديثهن لوسائل الإعلام، و أزواجهن كذلك، و يكون إخفاء الاسم الكامل بحال وجدن مخرجا للحديث هو الحلّ بالنسبة لهن. ونقل مشاهد من ضغوطات تمارس عليهن في حياتهن.
و كلا المستويين الأخيرين بحاجة لمعالجة فلا أسباب منطقية لوضع طوق حول الناجيات أو إغلاق قوقعة عليهن، فأجساد الناجيات نالت الحرية لكن الصور البشعة عن ذكريات الاعتقال لا تفارقهم و لا يستطعن التخلص منها بكتمانها الذي قد يؤدي لأمراض نفسية خطيرة. وهنا يجب أن يكون الوعي أكبر للوصول للمستوى الاول وإعادة الناجية للممارسة دورها في المجتمع.
و في الوضع الراهن الذي نعيشه كسوريين علينا العودة فعليا لسويات هرم ما سلو على سبيل المثال، و نبدأ بتوفير الأمان للناجيات، ثم نتدرج بمستوياته. والانطلاق بالحل يكون من فهم الواقع فليس من العار أن تتحدث الناجية عما مرت به خلال اعتقالها، و ليس من العار أن يكون شخص ما زوج لناجية أو أخ لها أو والدها، فهي ضحية لا ذنب لها فهم لا يقبلون بالأحوال الطبيعية الإهانة لها و يبذلون ما بوسعهم لحمايتها، و هي في وضعها الحالي أحوج من اي وقت مضى.

صحفي سوري*