حسام الجبلاوي*

قبل سنوات قليلة فقط لم يكن مألوفاُ لدى  سكان الساحل السوري رؤية العلم الروسي في أحيائهم، أو مشاهدة أماكن ترفع لافتات كتب عليها بأحرف لا يفهمونها، ولم تكن” الفودكا” الروسية حتى منتشرة في الأسواق، لكنّ أشياء كثيرة تغيّرت مع وصول القوات الروسية إلى قاعدة حميميم العسكرية في اللاذقية .

هذا الوجود الروسي لم يخفِ الموالون للنظام السوري في اللاذقية وطرطوس حقيقة فرحهم به، بل اعتبروه مخلّصا لهم بحسب ما يؤكده عضو “لجان التنسيق المحلية” السابق في مدينة جبلة فراس عامر، مستدلاُ على ذلك بمشاركة صور الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” للأسد في واجهات المحال، ووسائل المواصلات وغيرها.

ويبرز عامر في حديثه الخاص لموقع “بوابة سوريا” بعض المظاهر التي بدأت مع التواجد الروسي مثل “نشر لافتات ترحيب باللغة الروسية في أسواق اللاذقية، وانتشار كلمات مثل (جوان مي) أي أهلا وسهلا بين عامة الناس، كما حملت مطاعم في اللاذقية لأول مرة أسماء جديدة مثل مطعم موسكو، وكافيه روسيا وسط اللاذقية”.

ويضيف الناشط الذي خرج من مدينته جبلة قبل فترة قصيرة “التطّبع الثقافي بالقادمين الجدد كان أيضا بتفضيل واستقدام طعامهم ومشروباتهم المفضلة إلى الساحل، حيث أصبحت الفودكا الروسية رغم ارتفاع أسعارها نشطة جدا في الأسواق وحلت محل البيرة الوطنية”.

كلية الآداب الروسية:

ومع إقرار حكومة النظام إدخال اللغة الروسية كلغة ثانية في المدارس الحكومية ذكر “عامر” أنّ “عدداُ كبيرا من المعاهد التعلمية بدأت بنشر إعلاناتها عن هذا الأمر، ولقي تعليم اللغة الروسية دعماً من المركز الثقافي في اللاذقية، الذي أقام عدة دورات مجانية رغم أنّ هذا الأمر ليس من وظائفه”.

كما نقلت وسائل إعلام روسية في تقرير مصور من مدرسة “سهيل أبو الشملات ” في اللاذقية وأشادت بتفاعل طلاب المحافظة خصيصا مع هذا الأمر بشكل أكبر من باقي المناطق.

وذكرت مديرية التربية في اللاذقية في العام 2015 وهو العام الأول لبدء إدخال اللغة الروسية إلى المناهج السورية أنّ أكثر من 2000 طالب في الصفين السابع والثامن في 23 مدرسة بدؤوا تعلّم اللغة الروسية.

ومع وصول هؤلاء الطلاب إلى المرحلة الجامعية وزيادة أعدادهم صرّح “فاديم زايتشكوف”، رئيس مكتب “روسترودنيتشيستفا” الروسي في لبنان، بأنه من المقرر افتتاح كلية الآداب الروسية في جامعة تشرين باللاذقية العام المقبل.

وتأتي هذه الخطوة بعد افتتاح قسم خاص في معهد اللغات في جامعة تشرين لتعليم اللغة الروسية في العام 2013، وتكريم المسؤولين الروس طلابه في العديد من المناسبات.

قرار افتتاح كلية لتعليم الآداب واللغة الروسية “لم يكن مفاجئا” كما يرى “إبراهيم” وهو طالب جامعي في كلية التربية باللاذقية والسبب وفق قوله هو” انتشار الروسية بشكل واسع مؤخرا في الساحل، وتخطيها اللغة الفرنسية ومنافستها الإنكليزية من حيث الاهتمام”.

ويؤكد “إبراهيم” الذي اشترط عدم اسمه الكامل لأسباب أمنية لـ “بوابة سوريا”: أنّ “معظم المعاهد التعليمية أدخلت اللغة الروسية إلى لائحتها بعد أن باتت مطلوبة من شرائح مختلفة، بكلفة تتراوح بين 15000 و50 ألف ليرة سورية لدورة مدتها تتراوح بين شهرين وثلاثة أشهر”.

مصالح مشتركة:

ويفسر الطالب الجامعي انتشار اللغة الروسية بهذا الشكل في الساحل “بقناعة عدد كبير من الموالين بأنّ بقاء روسيا في الساحل السوري سيدوم طويلاً، وسيجلب استثمارات كبيرة للمنطقة، وبالتالي فإن تعلّم اللغة سيزيد من فرص العمل والتجارة”.

ويضيف ابراهيم: ” البعض يطمح أيضا لإكمال دراسته في الجامعات الروسية مستغلا العلاقات الجيدة لروسيا مع النظام ومنحها تفضيلات للسوريين تصل إلى منح الجنسية الروسية، والساحل السوري معروف تاريخيا بكثرة الموفدين منه إلى روسيا وهي جميعها أسباب قوية لانتشار وتعلم اللغة الروسية “.

“الروسنة “وهو مصطلح أطلق حديثا على انتشار الثقافة واللغة الروسية في المنطقة لا يقتصر على الطلاب فحسب بل يصل إلى العاملين، فبعد أيام قليلة من نشر خبر استحواذ روسيا على إدارة مرفأ طرطوس واستثماره لمدة 49 عاما أعلنت الشركة العامة لمرفأ طرطوس على موقعها الإلكتروني، في 22 شهر إبريل / نيسان عن دورة لتعليم اللغة الروسية للعاملين في المرفأ، والمقدّر عددهم بقرابة 5000 عامل.

ورغم انتشار روسيا في العديد من المحافظات السورية الأخرى إلا أن تأثيرها الثقافي واللغوي كان هو الأبرز في الساحل السوري حيث البيئة الحاضنة للنظام، ووجود عدد كبير من الضباط الموالين الذين تلقوا العلوم العسكرية في الأكاديميات الروسية.