سميرة المسالمة*

يختم حديث المبعوث الرئاسي الأميركي في التحالف الدولي ضد داعش وفي الملف السوري “جيمس جيفري” مرحلة الرعاية الروسية المنفردة لاستمرار الأسد في سدة حكم النظام السوري، ويعلن إمكانية انتقالها مباشرة إلى الرعاية الأميركية، ويؤكد -وسط أصوات النيران المحمومة على حماه وإدلب وحلب وأشلاء الضحايا السوريين- على عدم المس بمنصب “السيد” الأسد – حسب وصفه- كرئيس يستمد شرعية وجوده من تنفيذ الشروط المتضمنة في حديث المبعوث، وهي فعلياً أقل من القرار 2254، الذي لم تشتغل أي جهة دولية على تنفيذ حتى إجراءات الثقة التي نص عليها، وتلامس التغييرات المطلوبة أميركياً، فقط تغييرات محدودة في حكومة الأسد، وإعلان توبة تمثل وثيقة السلوك الجديد لنظام الأسد اتجاه الشعب السوري ودول الجوار، والتي تعني في مضمونها علاقات صريحة فوق الطاولة تحت مسمى السلام من أجل السلام، والتطبيع العلني مع “الجوار” مقابل الاستمرار للأنظمة، وسوريا جزء من صفقة قرن لا تنتج إلا محاصيل إسرائيلية.
تدفع اليوم إدلب ثمن التفاهمات الدولية في أعلى قممها (الأميركية- الروسية)، وترسم ملامح سوريا ما بعد القرار 2254، الذي يهدر جيفري في حديثه الأخير للشرق الأوسط (10/5/2019) مضامينه الفعلية، ومن خلاله يعلن سياسة الولايات المتحدة في سوريا والمنطقة:
– حيث يوجه رسائل ترغيب وترهيب لتركيا فهو بتصريحاته عن “السيد” الأسد يهددها باتخاذ مسار سياسي يبعد المعارضة المحسوبة عليها (الإسلامية) من حسابات التسوية المقبلة، في حين لا ينسى أن يمنحها رسالة ودية تعيد من جديد تركيا إلى الحضن الأميركي لتهدئة مخاوفها من الوجود الكردي في الشمال الشرقي من سوريا، ويعد باستمرار المباحثات لإقامة المنطقة “الأمنية” على طول الحدود مع سوريا والتي تعارض أساساً فكرة المنطقة الآمنة التي سعت إليها تركيا سابقاً، وحورت معانيها روسيا في سوتشي لتحددها في تنفيذ اتفاقية أضنا الأمنية الموقعة بين النظام السوري وتركيا 1998، والتي تعترف بضم لواء اسكندرون السوري إلى تركيا، كما تسمح لتركيا تجاوز الحدود لملاحقة الإرهابيين حتى عمق 5 كم.
– ويحدد مطالبه من إيران بالعودة إلى ما قبل 2011 في انتشار جيشها وميليشياتها، والانكفاء نحو الداخل الإيراني واللبناني، دون تحقيق حلمها في السيطرة على الشمال الشرقي الذي تحتاجه لمتابعة طريق من دمشق إلى بغداد، تحت تهديد انتشار القوة البحرية الأميركية في المنطقة.
– وينظر الحديث باهتمام إلى أن النظام مقابل اللفتة الأميركية الكريمة التي تضمنها حديثه عن “الأسد” سيخضع لشروط التسوية، التي هي أقل من مطالب ما تسمى “المعارضة الداخلية” التي تقيم تحت حماية النظام ذاته، في حين تخالف مطالب الثورة السورية التي تسعى إلى التغيير الكامل، ومحاسبة كل المسؤولين عن قتل السوريين، ومنهم النظام وأطراف محسوبة على المعارضة المتطرفة، في الوقت الذي يفهم من الحديث أن لجنة الدستور المدعومة أممياً هي لتوقع على “مخططات” دستورية تحمي الأسد من السقوط، وتحدد سلوكيات الدولة السورية بما ينهي الحكم الذي وصفه “بغير المقبول ومجرم ووحشي” ليمارس ذات “الحكم” أي ذات الأشخاص، سلوكيات مختلفة مع الشعب والجوار، أي فقط انهاء مرحلة، والقبول بأخرى، بشهادة لجنة دستورية تشارك فيها “المعارضة المختارة دولياُ” بالإقرار والقبول واليسير من الحكم.
وعلى ذلك فلا تغيير يذكر على خطة روسيا، بعد إعلان تفاهمات وتفهم الولايات المتحدة الأميركية لمعركتها التي وصفها جيفري بـ “المحدودة” ضد جبهة تحرير الشام، والتي تزعم أنها لحماية مطار “حميميم” من هجمات المتطرفين عليها، في الوقت الذي يعرف فيه جيفري، وغيره، ماهي قدرة “النصرة” وغيرها على مثل ذلك الهجوم، ما جعله يشكك بذات الوقت بصدقية السبب، في حين يمنح روسيا فرصة استمرار معركتها إلى حين يشتاق الرئيس الأميركي للتعبير عن رأيه في المعركة، وإلى حين أن يقرر “ترامب” أن يكتب تغريدته التي قد توقف استمرار هدر الدم السوري، تبقى خطة روسيا في استرداد طرق (حلب- اللاذقية، وحلب- حماه- دمشق) مستمرة ضمن اتفاق يقضي بعد ذلك بوجود منطقة منزوعة السلاح بعمق عشرين كيلو متر، وهو اتفاق روسي – تركي -إيراني بشهود زور من السوريين في آستانا، وتعلم تفاصيله معظم المعارضة وليس بعضها فقط.
يبقى القول أن استخدام جيفري لغة التهذيب في التعاطي مع الأسد مراده: استمرار استخدام بقائه في الحكم كأداة تفاوض مع كل الأطراف، سواء الصديقة له، أو التي تصف نفسها بالعدو، وفي مقدمة كل أولئك إيران التي وضعها أمام خيار واحد هو أن سوريا ستعود خالية منها كما كانت قبل 2011 عسكرياً، أي إيران خارج المنطقة، تنكفئ على نفسها بعد انتهاء أدوارها في تفكيك القضية الفلسطينية، وتحويل الصراع من عربي – إسرائيلي، إلى صراع سني شيعي، وعلى الحكومة الإيرانية فقط أن تعالج مصائبها الاقتصادية، وتحضر أوراق اعتمادها الجديدة على طاولة مفاوضات الأسلحة النووية من جديد وفق الرؤية الأمريكية لها.
ومع كل ذلك فلا أمل يطل من حديث جيفري حول “حل سياسي” غير مغموس بدماء السوريين، فسوريا السياسية قد لا يكون فيها من سوريا الماضية إلا أسماء تجار الحروب على الجانبين نظام ومعارضة، وشعب يرزح تحت الأزمات، في ظل غياب وتغييب اجباري لكل القوى الديمقراطية من الحل على طاولة التفاوض الأممية، وتقديم ممثلين عن سوريا الثورة تحت عباءة الشخصيات المخابراتية الدولية.

*كاتبة سورية