خولة سمعان*
لأن مأساة الهجرة الجماعية (اللجوء السوري) متشظية الأبعاد، بمعنى آخر: أننا مهما بحثنا في جوانب هذه المأساة تبقى هناك مداخيل خفية، وهي التي ستظهر فيما بعد نتيجة التغيرات التي طرأت – وما زالت تطرأ – على حياة الأفراد في الداخل والخارج، وستؤدي إلى ظهور مشاكل وأوضاع اجتماعية وسيكولوجية جديدة واختفاء ظواهر وقيم معروفة، من أهمها:

  • اضطراب مفهوم الانتماء.
  • تعرية الوجدان الروحي والثقافي عن طريق تفكيك الأسرة والمجتمع، وبالتالي موات الموروث الثقافي.
    بحسب مركز بيو (pew) للأبحاث في واشنطن: ” إن 13 مليون سوري نزحوا منذ اشتعال الصراع قبل حوالي سبعة أعوام، وهو ما يمثل 60 بالمئة من عدد السكان قبل الحرب، وهي نسبة نزوح لم تشهدها دولة من قبل خلال العقود الأخيرة. وإن أكثر من ستة 6 ملايين و300 وثلاثمئة ألف سوري، أي حوالي 49 بالمئة من عدد المهجرين قد نزحوا داخليا”.
    وأوردت قناة DW    الألمانية في برنامج (توك شباب) إحصائية عن اللاجئين في ألمانيا المتضررين نفسيا”، نقلا” عن شركة التأمين الصحي   DAK كالتالي:
  • ستمئة ألف لاجئ، أي أكثر من نصف اللاجئين في ألمانيا يعانون من صدمات نفسية.
  • ثلاثة من كل أربعة لاجئين من سوريا وأفغانستان والعراق متضررون من الصدمات النفسية والجسدية قبل مجيئهم إلى ألمانيا.
  • خمسين بالمئة من هؤلاء تعرضوا لصدمات نفسية عدة مرات.
  • 48 بالمئة مازالوا يعانون من مشاكل نفسية.

لن نخوض في غمار الإحصائيات لأن ذلك سيفضي بنا إلى جداول طويلة جدا بسبب انتشار اللاجئين السوريين في عدد كبير من الدول، تأتي تركيا وألمانيا على رأسها. غير أن ما يهمنا هنا توصيف اللاجئ بمعزل عن التعريف القانوني الدولي. إنه ذلك الإنسان الذي فر هاربا من بلاده حاملا معه مخاوفه وآلامه وعذاباته، تاركا وراءه حصيلة عمره وأعمار آبائه وأجداده وما أورثوه إياه من أراض أو عقارات أو مهنة ومهارات … تاركا أهله وزوجته وأولاده وأقاربه ورفاقه، تاركا خلفه ذكرياته وأماكن يعرفها ويألفها، تنشق هواءها وطعم من منتجاتها، تاركا مدرسته وكل ما تعلمه في البيت والحي، وبالأحرى: كل ما يشكل أبجديته، وما ترك ذاك كله عن هوى أو رغبة منه، إنما مرغما لينجو بنفسه وأسرته.
هو ذاك الناجي من الموت، يحمل معه مرارة استهدافه، وفي استهدافه معان شديدة القسوة، منها أنه لا شيء، لا قيمة لحياته، لذا لا يجدر به أن يعيش حتى لو كانت وظيفته في المجتمع عالية الأهمية.
يزيد من مرارة شعوره هذا صدمة الاغتراب بعد النجاة وآلام الفقدان والحنين، لذا كان للتعاطف والقبول أثر شديد الفعالية في نفسيته، غير أنه لا يقوم مقام الأثر التعويضي لديه نظرا لما فقده ماديا ومعنويا، فإن الفقدان المعنوي (الروحي والوجداني) يخلق اهتزازات نفسية عميقة نابعة عن انعدام الشعور بالانتماء (الاقتلاع = الاغتراب) وهذه نقطة محورية التفت إليها علماء النفس والمجتمع[1] وجاءت مسألة الدمج في المجتمع الجديد تلبية لمطلب أساسي وهو الشعور بالانتماء من حيث أنه مطلب فطري للإنسان، كونه يميل بطبيعته إلى التفاعل الاجتماعي، وهو حين يؤدي وظيفته في مجتمعه – مهما كانت هذه الوظيفة – إنما يؤدي دوره الاجتماعي [2] الذي يغذي مشاعر القيمة الذاتية كفرد منتمي، فاعل ومتفاعل مع محيطه، إن مفهوم القيمة الذاتية للفرد بمثابة المعادل الموازي للجدوى والثقة والألفة.  من هنا يمكننا تفسير ظاهرة التكتل الجغرافي للمجموعات  التي تضطر للعيش خارج إطار مجتمعاتها وبلدانها ، فهي تسعى بواسطة تموضعها في دائرة جغرافية محددة إلى تأسيس مجتمع محلي بديل عن المجتمع الذي فقدته ، وهذا سلوك غير واعي يدل على الأهمية الاجتماعية للكائن البشري ، إذ يمنحه الشعور بالأمان والتآلف والتعارف ويمكنه من التفاهم بصورة أمثل ، كونه – أي المجتمع المحلي – الكيان الأسرع في قبول أفراده وتحديد مكاناتهم ومراتبهم  وفق المقاييس التي يقرها ويتعارف عليها ، وتأتي الأسرة في المقام الأول  في تكوين نسيج  المجتمعات بشكل عام ، ليس من خلال ما ترفدها بهم من أبناء وبنات هم نواة المجتمع وعضده فحسب ، بل وبالوظيفة التي تقع على عاتقها ، وهي التنشئة وبث القيم والأفكار والمفاهيم لدى الأجيال .
لا يزال نظام الأسرة الممتدة معتمدا وحيا في معظم بلاد الشرق ، ونخص هنا المجتمع السوري ، لذلك لا بد من التنبيه إلى الآثار السلبية التي تنجم عن تفكيكها قسرا كما يحدث الآن  وللتنويه فإن الأسرة الممتدة[3]  هي التي تمتد إلى جيلين أو ثلاثة أجيال : الأجداد ، الآباء ، الأبناء ثم الأحفاد ، إنها الوسيلة الأكثر قدرة وأمانة في تعزيز ديمومة الحياة واستمرارية الأعراف والقيم الفكرية والروحية والعقيدية ، وهي تقوم على مبدأ التكافل والتكامل والتوارث ، يحظى فيها الأبناء بالرعاية ويتمتعون بشبكة واسعة من علاقات القربى ، مما يمنحهم شعورا بالأمان والثقة ، خاصة بوجود مبدأ التضامن المالي وتوريث الممتلكات إلى الأجيال الجديدة ، ونقل تراث الأسرة الوجداني والثقافي إليها ، من هنا تبرز مكانة الأسرة بقوة في حفظ الموروث الشعبي الثقافي والمادي.
إن للمجتمعات العريقة موروث ثقافي غير مادي يضاهي إرثها المادي ، ويتضمن كنوزا[4] حية مميزة ، ونخص  بالموروث الثقافي غير المادي : ( الممارسات والتصورات وأشكال التعبير والمعارف والمهارات وما يرتبط بها من آلات وقطع  ومصنوعات وأماكن ثقافية التي تعتبرها الجماعات والمجموعات وأحيانا الأفراد جزءا من تراثها الثقافي )[5]
في حين يعتبر الأشخاص الذين يتقنون مهارات وحرف معينة يتم نقلها عبر الآباء والأبناء ويشكل نتاجها روح المجتمع، مثل : الأرابيسك والمشغولات اليدوية والنقوش والأعمال ذات الطابع المحلي ..باختصار :  هم حملة التراث[6]
ولقد احتفى المجتمع الدولي بالجوانب المعنوية  والروحية للتراث الثقافي غير المادي في النصوص التشريعية منذ العام 1970 حتى توصل إلى اتفاقية 2003 التي تنص على صون تراث الشعوب غير المادي ، على أنه التعبير الحي عن الصفات التي تميز مختلف المجتمعات ، وهو ما يضمن تنوعها ويحفظ استمرارية ابداعها الحضاري المترسخ والمتميز .
و أدت فداحة البطش العسكري  في سوريا إلى هجرة الملايين من أبنائها كما هو معروف ، وبالتالي تم تحطيم البناء الاجتماعي  وتفكيك عناصره بإحلال عناصر غير مترابطة كما في حالة النزوح الداخلي ، كما حصل تكسير للنظام العائلي وفصل أعضاء الأسرة الواحدة بعضهم عن بعض ، وتشتيت الأبناء والآباء والأطفال ، مما يؤكد حصول قطيعة عميقة بين الانسان السوري – حيثما كان – وبين منظومته الوجدانية والثقافية ،  لأن عزل الإنسان عن مجتمعه ورموزه الثقافية : ( لهجات ، أغاني ، موسيقا ، فنون ، حرف ومهارات ، حكايات شعبية وأمثال ونكات  ، أساطير ، خرافات ، أنماط معيشة ، غذاء ومأكولات محلية ، أهازيج وأعياد ومقاهي ، معتقدات وأزياء محلية ، وبالمجمل : كل ما ينبع عن المجتمع الحي .. إن ذلك كفيل بقتل كل ما ذكرناه، كونه يفرغ المجتمع من فيض حيويته ويمحو بصمته الشخصية التي تميزه عن سواه، ويستأصل منه عمق جذوره ويحيله إلى الفراغ المخيف.
ومما يزيد في حجم المأساة أن عملية اجتزاء متعمد للتراث الشعبي في الداخل، على شاكلة ما يحدث في خطة التوزيع الديمغرافي الممنهجة والمتعمدة، وتعميم نمط محدد على الكل السوري، ونعني به الإنعاش والإشهار الواضح لموسيقا الساحل السوري على حساب باقي التراث الموسيقي والغنائي في كافة مدن ومناطق البلاد، التي قد يؤول مغناها وموسيقاها إلى النسيان بفعل التهميش والإهمال، وفي هذا إفقار إضافي للبلاد، يوازي إفقارها من معظم مناحي الحياة.

*كاتبة سورية                       

===

  1. المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين – غراندي.
  2. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
  3. سمير عبود. الخبير الاقتصادي من مركز كارنيغي للأبحاث في الشرق الأوسط.
  4. ايرينا بوكوفا – المدير العام لليونسكو.
  5. أ. د يوسف محمد عبد الله، جامعة صنعاء. المدير العام للآثار والمتاحف في اليمن.
  6. اتفاقية 2003 لصون التراث الثقافي غير المادي واحترامه. الأمم المتحدة.