نايف القدور*

تعد واحدة من أبرز القلاع الأثرية وأكبرها في سوريا، تقع على الضفة اليمنى لنهر الفرات التي تدعى الشامية، إلى الشرق من مدينة منبج، حيث تبعد عنها 29كيلومترا. ترتفع عن سطح البحر 377مترا وعن سطح نهر الفرات 68مترا. تغيرت الملامح الجغرافية للمنطقة المحيطة بالقلعة، فبعد إنشاء سد تشرين والبحيرة الاصطناعية التي تحجز خلفها مليون متر مكعب من مياه نهر الفرات، أصبحت القلعة محاطة بالمياه من الشمال والشرق والغرب، وبقيت مرتبطة باليابسة من الجهة الجنوبية فقط.
عمرها بعد عام (300هجري) نجم الدين الصفواني وهي قلعة حصينة، لذلك سميت قلعة نجم، وملكها بنو حمدان، ومن بعدهم بنو مرادس، ثم بنو نمير ويبدو أنها دمرت نتيجة الزلزال التي ضربت بلاد الشام، فأعاد نور الدين محمود بن زنكي بناءها. وفي عام( 586هجري) أقطع السلطان صلاح الدين الأيوبي منبج إلى أخيه الملك المظفر تقي الدين عمر، بالإضافة إلى حماه والمعرة والسلمية وغيرها. وبعد وفاة الملك المظفر انتقلت إلى ابنه الملك المنصور الذي تنازل عنها في سنة (596هجري) بأمر الملك العادل إلى الامير عز الدين ابراهيم المعروف بـ “ابن المقدم”، ولما توفي ابن المقدم عام (597هجري) انتقلت إلى أخيه شمس الدين عبد الملك. ثم ملكها الظاهر غازي بن صلاح الدين الأيوبي، وجددها بين عامي (605-612 هجري)، حيث أن أكثر المباني ترجع إليه، دمرت أجزاء من القلعة نتيجة هجمات المغول والتتار، لكن الدمار الأكبر كان نتيجة ضرب القلعة بالمدافع عندما تحصنت فيها إحدى القبائل التي امتنعت عن دفع الضرائب للدولة العثمانية.
كان عند القلعة جسر تمر فوقه القوافل والجحافل القادمة من الجزيرة إلى حلب وما وراءها، فكانت قلعة نجم خط الدفاع الاول بين الجزيرة الفراتية والشام، حاليا لا يجد جسر.


تخطيط القلعة
أما القلعة فيبلغ طولها من الشرق إلى الغرب 170مترا، ومن الشمال إلى الجنوب 130مترا، وهي تقوم فوق هضبة صخرية كلسية بيضاء هشة، يبلغ ارتفاعها نحو 380مترا ويحيط بها خندق عمقه 5أمتار وعرضه 25مترا، بعضه متهدم وبعضه ملئ بالأنقاض ، وطبعا حفر الخندق لغاية دفاعية، بل هو خط الدفاع الأول عن القلعة، إذ كان يملأ بالماء عندما تتعرض القلعة للهجوم ويليه خط الدفاع الثاني الذي يتمثل في جدران القلعة المبنية من الحجارة ، على ثلاث طبقات؛ السفلى ارتفاعها 18مترا والوسطى ارتفاعها 5أمتار ثم العلوية و ارتفاعه 5أمتار أيضا، وهذه الجدران التي تكسو جدران الهضبة الصخرية بنيت بشكل مدرج يصعب تسلقها.
ويتمثل خط الدفاع الثالث بمدخل القلعة الذي جعل في الجدار الجانبي، ولم يجعل في الجدار المواجه للصاعد اليه عبر الدرج، كما زود بسقاطة فوقه، وبباب حديدي جيد الصنع صعب الإختراق، وبني أمامه برج دفاعي فتحت فيه مرامي السهام، وقد جعلت نجفة الباب من الحجارة المعشقة، وفوقه نقش النص التالي (تجددت في دولة مولانا السلطان الملك الظاهر لمدة أولها سنة خمس وستمئة وآخرها سنة اثني عشرة وستمئة).


داخل القلعة ممرات مسقوفة بأقبية مهدية، وغرف وإيوانات، وفتحات في السقوف لإسقاط السوائل المغلية على العدو أن تمكن من دخول القلعة. وفيها ثلاثة خزانات كبيرة للمياه، وقصر ملكي جميل تتوسط باحته بركة ماء مثمنة الأضلاع مماثلة لتلك التي في مدرسة الفردوس وخانقاه الفرافرة بحلب، وهما من بناء الملكة “ضيفة خاتون” زوجة الظاهر غازي، ويحيط بالباحة إيوانات شاهقة الإرتفاع أقواسها مدببة، وقد علق في جدار أحدها درج تمر فوقه المياه على شكل شلال. ويجاور القصر حمام يضم الأقسام الثلاثة للحمام العربي الخارجي، وتحيط به المساطب وتحتها كوات لوضع القباقيب وكانت تسقفه قبة، والأوسط ثم الداخلي التي كانت تسقفه قبة أيضا. ونرى في جدران الحمام تمديدات المياه الساخنة والباردة، ونرى كذلك أجران الاستحمام ما زالت موجودة. ويوجد في الطابق العلوي المسجد. الذي ما زال يحتفظ بمحرابه متحديا عوامل الزمن أما السقف غير موجود.

الوضع الحالي لقلعة نجم الأثرية
بعد نشوب اندلاع الثورة السورية، وانتشارها في كل بقعة من أراضيها المليئة بالآثار القيمة، كان هنالك تخوف كبير على الأماكن الأثرية في داخلها، حيث تعرضت الكثير منها للسرقة ومنها ما دمّر بشكل أو بآخر على أيدي فصائل سيطرت على مناطق تواجدها، ومن أبرزها الدمار الذي ألحقه تنظيم “داعش” بالآثار في تدمر إبان السيطرة عليها.
في بداية عام 2013 سيطر مقاتلو” الجيش الحر” على مدينة منبج وريفها بما فيها القلعة، لكن سيطرتهم لم تدم طويلاً، ليسيطر بعدها تنظيم “داعش” على منطقة منبج وعلى قلعة نجم، حيث اتخذ عناصر التنظيم من القلعة موقعاً لقصف مواقع وحدات حماية الشعب الكردية وفصائل الجيش الحر في الضفة الشرقية للفرات.
كما ألحق عناصر داعش خراباً كبيراً في القلعة، حيث شوهت بعض معالم القلعة، فقد أجرت عمليات بناء داخل بناء القلعة، ودمرت أقساماً من الإسطبل في الأسفل، والحمامات، وبعض الأجزاء من أسوار القلعة، بالإضافة إلى منع السياح والسكان المحليين من زيارة القلعة التي كانت مقصداً للعشرات من السياح المحليين والعالميين يومياً.
وبعد إطلاق قوات مجلس منبج العسكري لحملة الشهيد فيصل أبو ليلى من قبل قوات سوريا الديمقراطية في الأول من يونيو/حزيران عام 2016، وتحريرها مدينة منبج والعشرات من قراها فيما بعد افتتحت قلعة نجم أبوابها مرة أخرى أمام السياح، حيث يزورها أسبوعياً العشرات من الأهالي من مختلف مناطق الشمال السوري.
رغم التاريخ العريق والطويل المار على القلعة، وتعدد الجهات الحاكمة لها، وشهادتها لمعارك كثيرة وعبث كبير من جهات مختلفة، بقيت قلعة نجم إحدى أهم الرموز الشاهدة على عراقة تاريخ الشمال السوري شامخة، تزين ضفاف نهر الفرات.

*باحث أثري