الصفحة الرئيسية رأي وتحليل وماذا عن الفضيحة الأمنية في “سوريا اللبنانية”؟

وماذا عن الفضيحة الأمنية في “سوريا اللبنانية”؟

 

قاسية تلك اللحظات التي تغرقنا في مقارنات لانهاية لها، ليس لانعدام حقنا في التعبير عن رفضنا كشعب لقتل السوريين على يد أجهزة أمنية، دورها حمايتهم وليس التآمر على سلامتهم، بل لحق كل سوري أن يكون في مأمن من حكومته قبل أي عدو آخر، كيف يمكن لنا نحن “القادمين” من بلاد لا تعرف يوماً أن قدم مسؤول اعتذاراً عن كارثة شارك فيها، أو هيأ لها الظروف المناسبة لتقبع فوق صدورنا، ورغبتنا أن نتذوق طعم كرامة المواطنين الناخبين لحكوماتهم في مشهدية انهيار ائتلاف الحكومة النمساوية، بسبب مقطع فيديو غير لائق، وكلاماً يمس وطنية النائب للمستشار النمساوي اليميني المتطرف رئيس حزب الحرية “هاينز كريستيان شتراخه”، وأين تقع استقالته بعد دقائق من نشر الفيديو في نفس كل العرب، ومنهم السوريون الذين هربوا من مجازر ترتكبها أنظمتهم تحت عين الكاميرا ومكبرات صوت تلفزيوناتها.
رغم العدوانية التي يحملها برنامج شتراخه ضد كل المهاجرين -وأنا واحدة من مجموع اللاجئين- وعنصريته التي لا تخفى على أحد اتجاه الغرباء والمسلمين على وجه الخصوص، وهو ما حمل حزبه إلى ائتلاف الحكومة مدعوماً بأصوات كل من يناصره من اليمين النمساوي، إلا أن ذلك لم يمنعه من الاعتراف بخطيئته ضد ديمقراطية بلده وثقة ناخبيه، دون أن يقلل من حجم ما ارتكبه من إثم عند عقد مفاوضاته مع سيدة الأعمال الروسية، واستعداده لتقديم عقود وعطاءات اقتصادية عبر عمليات فساد محسوبة، فقدم اعتذاره لزوجته وحزبه وخرج من حياة شعبه خلال أقل من ساعة، مع أن لا مستند قانوني في كل ما حل به، أي لم يكن الفيديو مصوراً في مكان عمله، وليس ضمن ساعات دوامه، وهو اعترف أنه كان في حضرة التغييب الكحولي “السكر”، ومع كل ذلك لم يتأخر في تحمل تبعات ما ارتكبه، دون أن يدعو مريديه لحمل السلاح وإرسال الطيران لقصف من يطالب بإقالته ومحاسبته.
تأخذنا فضيحة نائب رئيس الوزراء في حكومة الائتلاف النمساوية مباشرة إلى فضيحة (سورية- لبنانية) ذيولها أكبر وأكثر اتساعاً من جريمة ضمن حدود دولة واحدة، وإذ تركزت فضيحة النمسا على مشاهد مصورة ووعود بفساد قادم، فإن الفضيحة الإرهابية التي روى اعترافاتها ميشيل سماحة، وضبطت أدواتها من أسلحة وخطط وتسجيلات صوتية ومرئية، لم تسفر حتى عن استقالة موظف صغير سمح لشحنة المتفجرت العابرة للحدود بالمرور، والوصول حتى حدود لحظة التنفيذ، أي أن الفضيحتين تمثلان الفارق الحضاري والزمني والدولتي والأهم الفارق بين علو شأن المواطنة، ودونية النظرة إلى مواطني شرقنا فاقدي حقهم وشرعية تمثيلهم من أصغر “منصب” إلى أعلى مناصب الدولة.
اعترف ميشيل سماحة الوزير السابق في الحكومات اللبنانية والمستشار الإعلامي غير المسمى للمستشارة الإعلامية للقصر الجمهوري بثينة شعبان في سوريا بكامل جريمته التي كان يعد لها، ووفر لها أدواتها من متفجرات وأموال وأزلام مأجورة شخصيات في أعلى المواقع الأمنية السورية حسب اعترافاته، التي كانت كاملة بالأسماء والمواقع وجهات التمويل والأهداف، وتحدث بتفاصيل العملية وكيفية الاتفاق عليها وكيف تم توجيهه من رئيس الأمن القومي السوري اللواء علي مملوك، وعن دور بثينة شعبان في العملية، والعقيد عدنان من مكتب ذات اللواء، وصولاً إلى اسم السائق والمباذرات حول أرقام المبالغ المطلوبة للتنفيذ، والأهم من كل ذلك اعترافه الصريح بنقل المتفجرات التي ستستهدف شخصيات عامة، وتفجير “افطارات” رمضانية من شأنها أن تزيد من هشاشة واقع لبنان الأمني، أي أن النظامين السوري واللبناني تحت مظلة ذات الفضيحة الأمنية والسياسية والأخلاقية، إلا أن حجمها وتفاعلاتها وأثرها لم يخرج عن بضع مقالات هنا وهناك، وانتهى الأمر بتغييب لأخبار القضية، دون حتى اعتراضات دبلوماسية في حدها الأدنى بين دولتين بينهما (بعد جهد جهيد) أعلى تمثيل متبادل حتى ولو كان شكلياً.
وعلى فرض أن الجانب السوري في القضية كذب كل ما قيل في اعترافات ميشيل سماحة المعلنة على مرحلتين: أولها خلال تسجيلات أمنية سرية مع الشريك المفترض في التنفيذ ميلاد كفوري، وثانية أمام محكمة عسكرية، وادعى المشار إليهم في الاعترافات على أنها محض افتراءات وتزوير و”مؤامرة لبنانية” على سوريا لتحويلها إلى سوريا لبنانية بشكلها وطوائفها وحروبها، لكن ماذا عن أمن الحدود من أصغر عنصر من مسؤولياته تفتيش السيارات، إلى أعلى مستوى أمني وإداري في تلك الوظائف المأجورة، فهل تمرير المتفجرات وأسلحة الإرهاب من الحواجز السورية إلى حدودها، ثم العبور من الحدود اللبنانية إلى داخل بيروت، وكل هؤلاء المسؤولين لم يخجل منهم واحد فقط ليقدم استقالته على تقصيره مثلاً، أم أن الحدود “ممسوكة” من شركاء في الجريمة المخطط لها على الجانبين، مهمتهم تسهيل مرور الدمار باتجاهين من جنوب لبنان إلى سوريا، ومن سوريا إلى افطارات رمضانية، بما تحمله الكلمة من إشارة طائفية بغيضة سواء لجهة الشريك المجرم، أو لجهة الضحية المستهدفة.
تضعنا الجرائم المتمائلة أمام مقارنات مأساوية لكننا في كل مرة تنتصر مواطنية “الغرب” على أي مسؤول فاسد، تنفتح قنوات ذاكرتنا على آلاف القصص التي ينتصر فيها باطل مسؤولي العرب على حق المواطنين في أبسط مطالبهم وهي: أمنهم وأمانهم من حكوماتهم المسلطة على رقابهم، وثمنها عقود بيع علناً وأمام عدسات الكاميرات في كل مكان من دولنا العربية تحت مسميات شركات استثمارية ومصالح استراتيجية وقواعد عسكرية وآخرها تأجير منافذ حدودية بكامل سيادتها وأسيادها.

*كاتبة سورية

مصدر الصورة: flickr