نايف القدور
*
المعنى اللغوي: بيمارستان كلمة فارسية تتألف من مقطعين (بيمار) وتعني مريض، و(ستان) وتعني دار ويكون بذلك المعنى اللغوي دار المريض.
الموقع: يقع البيمارستان الأرغوني في حي باب قنسرين ضمن أسوار حلب القديمة، مطلاً على زقاق يدعى درب البنات نسبة إلى (بنات) خادمة عبد الرحمن بن عبد الملك، ويقع البيمارستان في مدينة حلب القديمة موقع القلب من الجسد، فقد بني في الزاوية اليسرى من الجهة الجنوبية الشرقية من مدينة حلب القديمة بالقرب من باب قنسرين.
تاريخ البناء : بني البيمارستان الأرغوني في العهد المملوكي عام 755هـ/1354م على يد “أرغون الكاملي” والي السلطة المملوكية على حلب المحروسة في زمن السلطان الملك الصالح أبن السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، وسمي أيضاً بالبيمارستان الجديد بسبب وجود البيمارستان النوري الذي كان يطلق عليه أسم البيمارستان العتيق ، يعتبر البيمارستان الأرغوني أحد أهم الأوابد المملوكية الباقية، حيث لازال على هيئته الأساسية وذلك بفضل بنائه المتخصص والمقاوم للزلازل عن طريق وضع ألواح خشبية حاملة للأقواس لامتصاص صدمة الزلازل.
أقسام البيمارستان الأرغوني: يضم البيمارستان الأرغوني عدة أقسام تم اقتطاع بعضها في الفترات التي هجر فيها البيمارستان الأرغوني في نهاية الفترة العثمانية، وتم تسجيلها أصولاً في السجلات العقارية (نظام الطابو) الذي وضع في فترة الانتداب الفرنسي.


الأجزاء المقتطعة من البيمارستان:
* الجامع: كان مصلى البيمارستان وقاعة تعليم الطب وهو يتألف من صحن وقبلة وغرفتان ومكان للوضوء، وهو الآن تابع لوزارة الأوقاف ومستقل عن البيمارستان.
* سبيل الماء: وهو عبارة عن غرفة صغيرة تقع بين مدخل البيمارستان ومدخل الجامع وكان سبيلاً لتوزيع المياه تابع للبيمارستان، وهو حالياً محل تجاري تابع رسمياً للأوقاف ومستثمر من قبل أحد أهالي الحي.
الأقسام الحالية للبيمارستان:

  1. الصيدلية (الشراب خانة): تقع إلى يسار المدخل الرئيسي للبيمارستان، وتضم أربع خزن كانت تستخدم لحفظ أدوية البيمارستان، ولها نافذة تطل على الزقاق لتوزيع الأدوية للمرضى الذين خارج البيمارستان
  2. غرفتا المعاينة الخارجية: تقعا على يمين المدخل الرئيسي وكانتا تستخدمان لمعاينة المرضى عند دخول البيمارستان وتقييم حالتهم وبالتالي وضعهم في القسم المناسب
  3. غرفة الاستعلامات: تقع مقابل المدخل، حيث كان يدون فيها جميع المعلومات التي تخص المرضى والزوار.
  4. الساحة الرئيسية: وتتألف من باحة تتوسطها بحرة يجاورها فتحتا بئرين أحدهما ارتوازي والثاني خزان لتجميع المياه، كما يحيط بها رواقان شرقي وغربي حمل كل منهما على أربع أعمدة تفصل بينها وبين الأقواس الحاملة للسقف ألواح خشبية لامتصاص صدمة الزلازل، ويوجد في كل رواق أربع غرف خصصت للأطباء المقيمين في البيمارستان بالإضافة إلى استخدامهم في معالجة المرضى الذين لا يحتاجون إلى إقامة في البيمارستان. كما ويحيط بالساحة إيوانان أحدهما جنوبي كان يستخدم لجلوس المرضى في فترات النقاهة المخصصة وفترات الاستماع إلى الموسيقى، وإيوان شمالي أصغر حجماً من الإيوان الجنوبي وكان يستخدم لجلوس الفرقة الموسيقية التي تعزف الموسيقى في فترات النقاهة المخصصة، كما ويضم الإيوان الشمالي سبيل ماء على شكل شلال أمواج، كان يعطي للموسيقى رونقاً مساعد في التأثير النفسي. ويحتوي كل من الإيوانين الجنوبي والشمالي على فتحتي باتنج لتلطيف جوهما في فصل الصيف.
  5. أجنحة المرضى: يضم هذا القسم ثلاث أجنحة للمرضى يتم الدخول إليها من باب في الرواق الشرقي، يفضي إلى سرداب طويل وزعت فيه فتحات التهوية والإنارة بشكل هندسي فريد _ يساعد على تشكل تيارات هواء مستمرة تلطف جو أجنحة المرضى _ يصل هذا السرداب أجنحة المرضى مع بعضها البعض كما يصلها بالساحة الرئيسية وجناح الخدمة.
    الجناح الأول: وهو جناح الأمراض النفسية المستعصية، ويتألف من أربع غرف يتم الدخول إليها بسرداب ضيق ملتف، تطل هذه الغرف من خلال النوافذ على ساحة صغيرة تتوسطها بحرة وتعلوها قبة ذات فتحة سماوية، استخدم هذا الجناح لعلاج الأمراض النفسية الخطيرة والمستعصية، حيث كانت الأبواب تغلق على المرضى ليطلوا على بعضهم وعل الساحة الرئيسية من خلال النوافذ فقط خشية أن يصيب أحدهم الأخر بمكروه، وكانت تعزف الموسيقى في هذه الساحة في فترات مخصصة بالإضافة إلى تلاوة القرآن الكريم
    الجناح الثاني: جناح الأمراض العادية , يقع إلى اليمين من الجناح الأول ويتألف من إحدى عشر غرفة مفتوحة على بعضها البعض تطل على ساحة تتوسطها بحرة ثمانية الشكل وتعلوها قبة ذات فتحة سماوية أكبر من سابقتها، استخدم هذا الجناح لعلاج الأمراض النفسية الأقل خطورة من سابقتها لذلك يمكن للمرضى الاختلاط فيما بينهم.الجناح الثالث: جناح النساء، يتم الدخول إليه بممر ملتف فيه باب درج يؤدي إلى سطح البيمارستان من الجهة الشرقية، وباب لغرفة منفردة قبل الدخول إلى جناح النساء استخدمت لمعاينة المريضات دون الحاجة إلى دخول الطبيب إلى القسم المخصص للنساء، يشبه جناح النساء في تصميمه الساحة الرئيسية بشكل مصغر حيث يتألف من ساحة تتوسطها بحرة مستطيلة تحيط بها خمس غرف، وفيها إيوانين جنوبي مرتفع كان يستخدم لجلوس الفرقة الموسيقية، وإيوان شمالي منخفض له باب كان يستخدم لجلوس المريضات في الفترات التي تعزف فيها الموسيقى. ويعلو هذا الجناح كباقي الأجنحة قبة ذات فتحة سماوية متطاولة. في حال عدم وجود مرضى من النساء كان هذا الجناح يستخدم كجناح للرفاهية حيث ينقل إليه المرضى المؤهلين للخروج بسبب قرب شفائهم فيتم الاعتناء بهم بشكل أفضل لتهيئتهم للخروج إلى المجتمع.
  6. جناح الخدمة: يتألف من غرفتين خصصتا لإعداد مستلزمات المرضى من طعام وشراب ولباس، ولهذا الجناح مدخل خاص يؤدي إلى خارج البيمارستان، لكيلا يشكل ضغط على المدخل الرئيسي وإزعاج للمرضى.
    ما يميز البيمارستان الأرغوني
    تميز البيمارستان الأرغوني بهندسته المعمارية الفريدة وتصميمه الإنشائي المميز في مقاومة الزلازل ؛ من خلال الألواح الخشبية الحاملة للسواكف والأقواس وهذا ما ساعد على الحفاظ عليه هذه الفترة التي تعرضت فيها حلب لحوالي سبعة زلازل.
    ومما يميزه أيضاً استخدام الموسيقى وصوت الماء وكمية الضوء في علاج المرض النفسي بشكل أساسي منذ حوالي 650 عام، حيث كانت أوربا في هذه الفترة تنظر إلى المرضى النفسيين على إن فيهم أرواح شريرة فيعاقبون بالضرب والقتل، بينما بلغ الوعي العربي أوجه فعلموا إنه مرض يمكن علاجه، فوضعوا أسس وقواعد العلاج النفسي.
    الوضع الحالي للبيمارستان الأرغوني
    تعرض البيمارستان للدمار بشكل جزئي بسبب الحرب الدائرة في سوريا وخاصة سقوط القبة الكبيرة وظهور بعض التشققات في الجدران والسقف، قام بعض طلاب قسم الهندسة المعمارية في جامعة حلب بالتطوع من أجل إزالة الركام وتنظيف المكان بشكل كامل، وبالتالي حماية وحفظ هذا الإرث الحضاري والثقافي، والذي يعتبر واجبا إنسانيا على أهل البلد.

*باحث أثري