بشرى حامد*

انتشر مرض الشمانيا بكثرة في محافظة الحسكة مع بداية صيف 2014، ولم يلق أي اهتمام من أي جهة رسمية أو طبية في حينه، وغابت محاولات القضاء عليه في بدايته أو مكافحة أسبابه. وبلغ عدد المراجعين في المركز خلال العام الحالي 122 مصاب بينهم 42 حالة تشخيص مخبري، كما أصيب 232 شخصاً بالمرض في شهر نيسان الماضي.

أسباب ظهور اللشمانيا

تنتشر اللشمانيا في المناطق الفقيرة التي لا تتوفر فيها خدمات الصحة العامة مثل شبكات الصرف الصحي غير النظامية، إلى جانب انتشار روث الحيوانات في مناطق تربية المواشي، وهي البيئة التي تعيش فيها الذبابة الناقلة للمرض.

يقول الطبيب المختص بالأمراض الجلدية موسى غطاس في حديثه إلى “بوابة سوريا” إنه “لوحظ في الفترة الماضية انتشار حالات كثيرة من مرض اللشمانيا الحشوية وهي من أكثر الأنواع خطورة، وتسببها ذبابة الرمل التي تحمل طفيليات المرض من إنسان مصاب إلى آخر سليم، أو يتم نقلها عن طريق الحيوانات التي تحمل هذه الطفيليات كالكلاب والقوارض إلى شخص سليم عن طريق عضه أو لدغه” منوهاً إلى أن أعداد المصابين في ازدياد مستمر، وخاصة من بين الوافدين إلى الحسكة.

وأشار “غطاس” إلى أن “أعراض المرض تظهر على المريض بعد فترة من إصابته، وهذه الأعراض هي ارتفاع درجة الحرارة واحمرار بسيط في العين يستمر لأسابيع” مشدداً على ضرورة تلقي المريض للحقن بشكل فوري، خصوصاً أن العلاج يستغرق عدة أشهر بحسب درجة الإصابة.

ولفت إلى أن إصابة الأشخاص بالمرض تترك آثاراً نفسية سلبية وبخاصة لدى الفتيات، لأن الحبة تظهر في الوجه وتحفر عميقاً وفي الغالب تترك تشوهات جلدية في الوجه.

معاناة الأهالي في ظل غياب الحلول

يقول الناشط والإعلامي عدنان محمد إن “المراكز الصحية التابعة للنظام قد منعت المصابين في المناطق الخارجة عن سيطرته من التوجه إلى مراكزه للمعالجة، كما أن قلة الأطباء المختصين وندرة الأدوية وغلائها في الكثير من الأحيان حالت دون معرفة المزيد عن هذا المرض”.

وأشار أن لجوء الأهالي إلى الطب الشعبي والعلاجات المنزلية زاد من تفاقم الوضع، إذ بلغ عدد المصابين في مدينة الحسكة خلال بداية ظهور المرض 1500 شخصاً مصاباً باللشمانيا، جُلّهم من الأطفال.

وغاب دور “الإدارة الذاتية” التي لم تقدم أي نوع من المساعدات، وازداد عدد المصابين وخاصة في المناطق الريف الجنوبي من مدينة الحسكة.

“لجأ الأهالي في تلك المناطق إلى الطرق البدائية للوقاية والحيلولة دون إصابتهم بالمرض” بحسب علي الخليفان وهو من ساكني الريف الجنوبي للحسكة والذي أشار إلى استعمال سكان المنطقة الناموسية على أسرة الأطفال أثناء نومهم حيث تنشط ذبابة الرمل أثناء الليل، وإجبار الأطفال على ارتداء ملابس طويلة حتى في فصل الصيف.

وناشد الخليفان البلديات والمسؤولين إيجاد حلول لهذا الوضع وتأمين رش المبيدات الحشرية في أوقاتها في المناطق التي تكثر فيها تربية المواشي وفي المستنقعات ومجاري الصرف الصحي، للسيطرة على تكاثر هذه الذبابة التي تشوه وجوه أطفالنا.

ولجأت عدة منظمات إنسانية وطبية في السنوات السابقة إلى توعية المجتمع المحلي عن طريق الحملات التوعوية لضرورة الكشف عن حالات الإصابة بمرض “اللشمانيا الحشوية” الخطير تحت شعار “أوقفوا اللشمانيا”، وتم توزيع المناشير على الأهالي وهي مناشير تضمنت التعريف بأعراض المرض وطرق الوقاية والعلاج، كما أعلنت عن توفر العلاج في العديد من المراكز الصحية في الحسكة، لكن هذه الجهود بقيت دون المستوى المأمول منها، إذ إن غياب الوقاية الأولية حالت دون الوصول إلى النتائج المرجوة أو الحد من تفشي المرض بين الأهالي.

وفي السياق عينه أكدت “منظمة الصحة العالمية” وعبر الموقع الرسمي لمكتبها الإقليمي في الشرق الأوسط على ضرورة اتخاذ الإجراءات الوقائية في المناطق التي تكثر فيها الإصابة بالمرض وبكافة أنواعه، وايجاد حلول لمنع ذبابة الرمل الناقلة للمرض من الانتشار ولمنع وصوله على وجه الخصوص للأطفال، وتغطية المناطق المصابة في الجلد لمنع انتشار الطفيليات.

كما أكدت المنظمة على أهمية تدمير الأماكن التي تتكاثر فيها الذبابة مثل أكوام القمامة، وضرورة الإسراع في إيجاد حلول وقائية سريعة.

إحصائيات مخيفة

على الرغم من عدم الإفصاح عن الرقم النهائي لأعداد المصابين بمرض اللشمانيا في عموم الحسكة من قبل المراكز الصحية المسؤولة عن المعالجة، إلا أن هناك منظمات وجهات إعلامية قد أفصحت في وقت عن الأرقام والتي تجاوزت 16 ألف إصابة، من بينها 7500 إصابة في مدينة الحسكة لوحدها خلال عام 2018. وفي القامشلي تجاوزت الإصابات 3000 إصابة معظمها في ريف القامشلي، ويرى ناشطون أن هذه الأرقام مبالغ فيها، لكنهم لا ينفون تفشي المرض بشكل واضح، معتبرين أن عدم تقديم الخدمات الوقائية من قبل البلديات والجهات المسؤولة مثل عدم ترحيل القمامة، ساهم في تفاقم وتفشي المرض بشكل كبير.

عدد الإصابات بمرض اللشمانيا في تزايد مستمر في محافظة الحسكة وخاصة بين الأطفال دون سن العاشرة، لكن الجهات المسؤولة، الرسمية والصحية، لا تحرك ساكناً، إلى جانب الدعم القليل نسبياً المقدم من قبل المنظمات الإغاثية والمدنية. لكنّ الوضع بشكل عام يحتاج إلى جهود كبيرة وحلول جذرية للحد من انتشار هذا المرض.