فريق بوابة حماه*

تضم محافظة حماة الواقعة وسط البلاد، كسائر مناطق سوريا، الكثير من المواقع الأثرية التي تعود للعصور المختلفة، وإن يكن الطابع الروماني هو السائد على أغلب الأثار بسبب طول الحقبة الزمنية التي قضاها الرومان في المنطقة.

وتعد القلاع الأثرية المنتشرة قرب المجاري المائية مثل نهر العاصي، والقصور المتناثرة على طول الطرق التجارية القديمة مثل “طريق الحرير” من أبرز المعالم الأثرية في المحافظة، من قلعة المضيق إلى قلعة شيزر إلى قلعة شميميس (قرب سلمية) إلى قلعة مصياف، وجميعها قلاع أثرية في غاية الروعة ما تزال متماسكةً وقائمة، ويضم الجزء الشرقي من المحافظة (القريب من البادية) قصر ابن وردان وكنيسة عقيربات وبقايا الأندرين وغيرها.

المعالم الأثرية وجذب السياح

يقول الناشط محمد الشمالي من أبناء محافظة حماة لـ”بوابة سوريا”: “توجد الكثير من المعالم الأثرية في منطقتنا وقد كانت لسنوات وجهةً لكثير من السياح الأجانب وخصوصاً الأوربيين المهتمين بالشرق، ونظراً لكون المنطقة خضعت للحكم الروماني فترة طويلة فإن الكنائس هي أكثر ما يمكن أن تجده في المنطقة، وما تزال الكثير من القرى في ريف حماة محتفظة بأسمائها القديمة المنسوبة للكنيسة أو الدير، كدير ماما ودير الفرديس ودير سنبل ودير شميَّل ودير الصليب وغيرها الكثير” لافتاً إلى أن ذلك كان عاملاً مهماً في جذب السياح الغربيين وخاصة المهتمين بالناحية الدينية التاريخية، بالإضافة إلى القيمة الكبيرة لتلك الآثار التي تمثل مراحل مهمة من تاريخ البشرية.

وبيّن الشمالي أن الأمر اختلف في سنوات ما بعد الثورة السورية، إذ توقف كل ذلك بشكل تدريجي حتى انعدم تماماً، وانعدم وجود السياح الأجانب في سوريا، والسوريون أنفسهم لم يعودوا يزورون تلك المناطق، فكيف بالاجانب!

من جانبه يؤكد سعيد الحمادي من أهالي بلدة كفرنبودة أن زيارة المعالم الأثرية لم تكن تقتصر على السياح الأجانب، مشيراً إلى أنهم كانوا يقضون أيام العطل بجوار آثار أفاميا وقرب قلعة المضيق، وهي مناطق كانت تشهد تجمعاً كبيراً للمدنيين والأهالي من مختلف المناطق، وتنشط فيها الأسواق ويكثر الباعة.

 

تجارة الآثار

كانت زيارة الآثار من قبل الأهالي سابقاً فرصة للبعض للتعرف عليها، وتحولت مناطق الآثار من وجهة للاصطياف إلى وجهة للتنقيب في الأيام اللاحقة. ومع أن عمليات الحفر والتنقيب العشوائي عن الآثار كانت تتم في الكثير من المناطق، إلا أنها كانت سرية للغاية نظراً للمخاطر الأمنية الكبيرة التي كانت تنطوي عليها مثل تلك العمليات على الأشخاص العاديين.

وفي هذا الخصوص يقول يحيى العمر من أهالي حماة: “كانت عملية تجارة الآثار في سوريا رائجة قبل الثورة ولكنها لم تكن علنية، بل تقتصر على بعض الأشخاص من ذوي النفوذ والعلاقات ذات المستوى العالي مع المسؤولين الذين يؤمنون لهم نوعاً من الحماية من الملاحقة القانونية والأمنية، ويشارك الكثيرون في ورشات التنقيب والبحث عن المقتنيات، غالبيتهم من العمال العاديين بالإضافة إلى بعض الخبراء، وتعد القبور القديمة الهدف المفضل والرائج للبحث نظراً لارتفاع احتمال العثور على لقيّة فيها”.

وفي الفترة التي تبعت اندلاع الثورة السورية وانحسار سلطة النظام من بعض المناطق، وجد الكثيرون فرصتهم الذهبية، فانتشرت عمليات التنقيب على أوسع نطاق وفي مختلف المناطق، وكانت آثار أفاميا وقلعة المضيق وتل القرقور وغيرها أبرز الأماكن التي بدأ التنقيب فيها.

محمد الخالد شاب ثلاثيني من منطقة الطار بريف حماة، انضمّ إلى إحدى الورش الخاصة بالحفر والتنقيب عن الأثار في مدينة قلعة المضيق “بسبب ضيق الحالة المادية وقلة فرص العمل بعد فصلي عن عملي الحكومي السابق” بحسب تعبيره، مضيفاً أن “الورشة كانت مكونة من خمسة أفراد أغلبهم من الشباب الذين يعانون معاناتي ذاتها، ولم نكن نبحث عن أكثر من ستر الحال وتأمين متطلبات المعيشة، وبالفعل بدأنا بالعمل فوراً وبنشاط كبير في البداية، ثم استمرينا عدة شهور أخرى كانت كافية لأتركه وأبتعد عنه نهائياً”.

وحول طبيعة العمل وتأمين متطلباته أوضح الخالد: “ليست هناك متطلبات كبيرة للعمل باستثناء جهاز الكشف الذي يتراوح سعره بين 500 دولار وعدة آلاف من الدولارات بحسب نوعيته، أما ما تبقى من معدات فهي معول ورفش، وقمنا بتأمين جهاز الكشف عن المعادن من أحد التجار في المنطقة، وهو شخص معروف ومشهور بتجارة اللقى الأثرية (الأنتيكا)، حيث عرض علينا الشراكة في العمل بحيث يقوم بإعطائنا الجهاز بينما نقوم نحن بالعمل البدني، ووافقنا على العرض نظراً لكون الجهاز مرتفع الثمن، واستغلّ حاجتنا هذه وفرض علينا شرطاً إضافياً وهو أن يتم بيع ما نعثر عليه له حصراً ولا يجوز لنا عرضه على تجار آخرين، وبذلك لم يعد بإمكاننا أن نفاوض على سعر تلك اللقى التي نجدها ولا تقدير ثمنها الحقيقي، وربما نبيع القطع بثمن بخس وأقل كثيراً من سعرها الحقيقي في السوق، وبطبيعة الحال لم يكن أمامنا خيار سوى الموافقة”.

وأردف: “حاولنا التواصل مع ذلك الشخص (التاجر) الذي يعمل بتجارة اللقى الأثرية ولكنه رفض الإدلاء بأي تصريح حول الموضوع، فسألنا عاملاً آخر يلقّب بـأبو محمد الغابي وطلب عدم ذكر اسمه الحقيقي أيضاً، وهو شاب من قرية باب الطاقة يعمل في مجال البحث والتنقيب، وسألناه عن وجهة تلك اللقى الأثرية فقال: يتم طرح تلك اللقى للبيع غالباً عن طريق الانترنت مع تجار في بلدان مجاورة كتركيا ولبنان والعراق، ومن ثم يتم تسليمها وقبض ثمنها عبر تهريبها إلى تلك البلدان، وطبعاً يبلغ السعر في حال تمكنت من إيصالها إلى خارج البلد أضعاف سعره في السوق المحلي، كون عملية التهريب محفوفة بالمخاطر ولا سيما إن كانت القطع كبيرة الحجم كالجرر الفخارية أو التماثيل المجسمة الضخمة”.

ويؤكد الغابي أن القيمة كبيرة جداً والعائد المادي كبير جداً بالمقارنة مع أي عمل آخر، الأمر الذي جعل هذه التجارة رائجة، وبيّنَ أن إحدى اللقى التي عثرت ورشته عليها زاد ثمنها الذي بيعت فيه للتاجر عن 20 ألف دولار وكانت حصته الشخصية منها نحو ألفي دولار (أكثر من مليون ليرة سورية)، وهو ما يعادل راتب أفضل موظف لسنة كاملة، في حين قام التاجر ببيعها بمبلغ زاد عن 100 ألف دولار ذهبت إلى جيبه دون حسيب أو رقيب.

تعتبر الرقابة على المواقع الأثرية وضبط هذه التجارة غير ممكنة، فلا يوجد أي جهة تقوم بذلك لعدم وجود سلطة مركزية في “المناطق المحررة” ولصعوبة الأمر بطبيعة الحال، حيث أكد جميع من قابلناهم أن الأمر شبه مستحيل، وحتى في الأيام التي سبقت الثورة لم تستطع قوات الأمن التابعة للنظام ضبط هذه الظاهرة التي تفشت وتضخمت بشكل هائل خلال السنوات الماضية.