محمد محمد عارف*

تنتشر مهنة “تربية نحل العسل” في مناطق الشمال السوري ومنها أرياف حلب بسبب تنوع الغطاء النباتي بشكل أساسي، وتتميز بقدرتها على تعويض رأس المال الخاص بها خلال عام واحد، لذلك يعتبر مشروع تربية النحل من المشاريع المربحة جداً، شريطة أن يكون النحّال ملماً بالمهنة إلى جانب توفر ظروف مناسبة لتكاثر النحل وإنتاج العسل.

ومع انطلاق الثورة السورية شهدت تربية نحل العسل تراجعاً كبيراً وملحوظاً في الكمّ والنوع نتيجة لعدة عوامل أهمها القصف والتهجير الذي أصاب غالبية المناطق، ما أدى إلى إحجام المربين عن المخاطرة بتربية النحل، كما انخفض الطلب على العسل بسبب غلاء سعره وتردي الأوضاع الاقتصادية والأمنية في البلاد.

معاناة النحّالين وتراجع تربية النحل

يعاني مربو النحل من عدة مشاكل بسبب الظروف الراهنة والمشاكل التي تعترضهم، مثل قلة غذاء النحل وانخفاض أعداده بشكل ملحوظ.

يقول المربي محمد ياسر اليوسف لــ”بوابة سوريا”: “كانت المراعي متنوعة ومتعددة قبل عام 2012، فكنا كنحالين نسافر إلى جميع المحافظات السورية لنتبع الجو الحار والمعتدل باعتباره الجو المناسب للنحل، بالإضافة إلى أن الأدوية كانت متوفرة ومضمونة إلى حد كبير، كما أن عمليات رش المحاصيل كانت منظمة، لكن مع بدء المعارك وعمليات القصف التي كان لها الأثر السلبي على مهنتنا، لم يعد بإمكاننا التنقل بين المحافظات، وفي بعض المناطق لم يعد بإمكان النحال الخروج من منطقته التي يقطن فيها نتيجة تردي الظروف الأمنية، كما كنا نقوم بعملية “التشتية” في مناطق الساحل السوري بسبب الجو المعتدل فيها، ويكون توقيتها منتصف الشهر الثالث من كل عام، إذ إن الجو المعتدل يحافظ على كثافة النحل ويكون موسم الحمضيات قد أينع، وكنا نسافر أيضاً إلى مناطق الغاب في موسم القطن ومن ثم إلى حمص للاستفادة من محصول حبة البركة الذي ينضج قبل شهر من نضوجه في مناطق الشمال السوري، أما الآن فقد التزمنا مكاناً واحداً، وفي كل عام نخسر كميات كبيرة من النحل”.

وأضاف اليوسف أن “عدم التنسيق بين المزارع والنحال يؤدي إلى ضرر كبير على النحل، فعندما يرش المزارع محصوله بالمبيد حشري ويصل القليل منه إلى المنحل القريب، ينفق عدد كبير من النحل، ويعود سبب ذلك إلى عدم وجود جهة ترعى التنسيق بين المزارع والنحال لتفادي أي ضرر يمكن وقوعه” مشيراً إلى وجود تنسيق مع النحالين في “المناطق المحررة” وإلى العمل على تشكيل جمعيات تعتبر النواة لإنشاء نقابة خاصة بمربي النحل، وذلك في مناطق ريف حلب الغربي والجنوبي ومنطقة اعزاز ومحافظة إدلب، ومبيناً أن شرط الانتساب إلى هذه الجمعيات هو الحصول على شهادة أكاديمية أو منهجية خاصة.

ويعتبر تأمين الملكات الأجنبية الملقحة من أكثر الأمور التي تعيق مربي النحل، نتيجة غلاء سعر الملكة إذ يصل سعر الواحدة منها إلى 50 ألف ل.س، كما أن لطائر الورور وحشرة الدبور الأحمر دوراً كبيراً في تراجع كثافة النحل لأنه يعتبر وجبة أساسية لهما بحسب اليوسف.

الأمراض التي تصيب نحل العسل

أمراض عدة تصيب نحل العسل بكافة أنواعه، وتؤدي تلك الأمراض إلى تضرره بشكل ملحوظ إن لم يتم تداركها، وفي هذا الخصوص يقول الخبير والمختص محمد العلي لـ”بوابة سوريا”:

“نتيجة الدراسة والتجارب العملية أصبحت لدينا الخبرة الكاملة للتعامل مع أي مرض قد يصيب النحلة، كمرض “النيوزوم” الذي انتشر مؤخراً نتيجة تعرض مناطق الشمال السوري للرطوبة الزائدة، وقمنا بالتواصل مع غرف النحالين في مختلف دول العالم وحصلنا على أفضل طريقة وأفضل نوع من العلاج المدروس والمجرب”.

وتابع: “يتوجب على كل شخص يُقبل على مهنة تربية النحل مراجعة الخبراء والمختصين بتربيته، وعدم شراء أي نوع دون الرجوع إليهم واستشارتهم، فقد يقوم بتربية نوع يحمل مرضاً وبائياً يؤدي إلى ضرر كبير في المناحل القريبة منه، ومن السلالات النقية المعروفة والمنصوح بتربيتها سلالات كرنيولي وسيافي وغنامي وقوقازي وكارنيكا وF1 وF2، وكل صنف منها له ميزاته وقدرته الإنتاجية الخاصة”.

أدى جشع بعض النحالين ونتيجةً لعدم توحيد الأسعار، إلى رفع سعر خلية النحل الواحدة ليصل إلى 90 ألف ليرة سورية، كما أن عدم وجود رقابة على الصيدليات التي توزع أدوية النحل كان له أثر سلبيٌ على النحلة وعلى الإنسان، فبعض الأدوية محظورة عالمياً وتم تهريبها إلى الداخل السوري بسبب الأوضاع الراهنة، وهذه الأدوية لا تتوفر فيها الشروط الصحية وهي مسرطِنة وتؤثر على الإنسان والنحل معاً، ومن هذه الأدوية: الأمتراز والمافرك وميتاك، كما أن غالبية الناس لا ينظرون إلى جودة العسل بل إلى سعره المنخفض، بحسب العلي.

محسوبيات ووساطات

كان للنحالين نصيب أيضاً من ظلم المنظمات المعنية، وبحسب شهادة نحال في ريف حلب الغربي (طلب عدم ذكر اسمه) فإنه لم يتلق أي قرض أو مساعدة من أية منظمة رغم كثرة المنظمات “حيث قامت منظمة البنفسج بتوزيع معدات نحل من خلايا وغيرها على أشخاص أغلبهم ليسوا من النحالين، ونحن لم نعلم بالأمر إلا بعد انتهاء التوزيع”، مشيراً إلى أنه والكثير من النحالين من أصحاب المهنة الرئيسية أرسلوا صرخة تحمل اسم “صرخة نحال” على بريد المنظمة، لكن لم يجدوا آذاناً صاغية ولم يتم الرد عليهم.

تبقى مهنة تربية النحل وغيرها من المهن جزءاً لا يتجزأ من طبيعة الأهالي والسكان خاصة في الأرياف مهما قست عليهم الحياة وضاقت بهم، وعلى الرغم من المعاناة، يبقى جمال نظرة الصباح إلى خلية النحل حالة لا يمكن وصفها لدى للنحال الذي يمتلك نظاماً أبدع الخالق في صنعه.