أنس الخطيب*

كثير من مآسي الناجيات السوريات من معتقلات النظام لا تنتهي بنيل الحرية، فالمشاكل التي تعترض حياتهن بعدها ليست بأقل قسوة، ما يجعل من حياتهن جحيماً لا يقل كارثية عن الحياة عايشوها في زنازين الأجهزة الأمنية المتوحشة.
المعتقلة السابقة ميساء قزيز والتي تخلى عنها زوجها وطلقها وتركها مع أولادها الثلاثة تصارع شدة ومعاناة حياة اللجوء دون معيل تعبّر عن هذه المعاناة لـ “بوابة سوريا” بقولها “وكأن قدر كل سورية تدخل المعتقل أن تدفن في الحياة، هذه هي حياة المعتقلة التي تدخل السجن تنتهي حياتها”.
ميساء ابنة دمشق كانت من سكان مدينة زملكا في الغوطة الشرقية، وعملت موظفة في وزارة الكهرباء، شاركت في مظاهرات الغوطة الشرقية ونشطت في مساعدة النازحين، الذين هربوا من قصف النظام لمناطقهم بعد خرجوها عن سيطرته، ولكنها عادت إلى دمشق بعد أول اقتحام قام به النظام لمدن الغوطة الشرقية.
تقول “ميساء”: بعد وصولي لدمشق استمرت صديقاتي الناشطات بالعمل الثوري بالتواصل معي، وكما هو معروف فإن الاتصالات في سوريا مراقبة من قبل المخابرات وأجهزة النظام القمعية، وخصوصا المخابرات الجوية، التي كانت ترصد مكالماتي وسرعان قررت القبض علي”.
وتضيف “ميساء”: عصر يوم 23/9/2014 كنت متوجهة إلى منزلي بعد انتهاء دوامي، كنت أستقل سيارة الموظفين، والمخابرات الجوية تتعقبني عبر إشارة الهاتف الجوال، فأوقفوا السيارة في شارع الثورة، وجاء الضابط وقال: “مين ميساء”، قلت: أنا، فقال لي: تفضلي، عندها نزلت أخذوني إلى سيارة مفيمة واقتادوني إلى آمرية الطيران وهناك حققوا معي للمرة الأولى.
تتابع “ميساء” في سرد حكايتها: “كانت تهمتي تمويل الجماعات الإرهابية، وفي منتصف الليل رحلوني إلى فرع الجوية، بقيت في إجراءات الدخول إلى الفرع 4 ساعات، ثم أدخلوني إلى المنفردة وهي عبارة عن غرفة صغيرة جدا مساحتها متر بمتر وبقيت فيها لأيام طويلة، سمعت خلالها من السجان كلمات نابية اضطررت لتحملها، كانت أصوات المعتقلين تحت التعذيب فظيعة ولا يكاد يستوعبها العقل، هددوني بأولادي وضغطوا علي بشكل كبير، و بعد 47 يوم أخرجوني إلى الزنزانة الجماعية التي بقيت فيها لأيام ثم حولوني إلى عدرا”.
بعد أسابيع قليلة من السجن في عدرا استطاعت “ميساء” أن ترى أهلها وأطفالها بعد أن أخلى القاضي سبيلها تضيف “ميساء”: “لكنهم لم يطلقوا سراحي بل حولوني إلى الجوية مجددا بقيت فيها 10 أيام في المنفردة، وأعادوا معي التحقيق فيها مرتين، كان معي بالمنفردة طفلة عمرها ستة أشهر كانت تبكي طوال الليل، بقيت تلك المسكينة لأيام بلا طعام، ثم خرجت من الجوية إلى المنزل وبدأت معاناة جديدة مع المجتمع، أي شخص يعرف أنني كنت معتقلة يظن أنه تم الاعتداء علي وكل الناس كانت تسألني وتحرجني بالسؤال، زوجي كان صامتا رغم عدم تقبله للوضع، ولكن بعد وصولي لتركيا تركني ومعي ثلاثة أولاد من غير أن يساعدنا، هذه هي حياة المعتقلة التي تدخل السجن تنتهي حياتها بالكامل”.
تبين “ميساء”: “أهلي لم يرفضوني بل احتضنوني ودعموني نفسيا ولم يزعجوني أبدا، ولكن زوجي طلقني بدون سبب، والناس من حولي عند معرفتهم بأنني كنت معتقلة كانوا يسألونني (مو مقربين عليكي)، ولا يصدقون أنه لم يعتدى علينا في الاعتقال باستثناء المضايقات الكلامية من السجانين خلال فترة الاحتجاز، وتضيف: “أعرف الكثير من المعتقلات رفضن من أهلهن، فمنهن من رفض أهلهن إدخالهن إلى البيت”.
تعزو “ميساء” الصورة لدى المجتمع التي تبلورت بتعميم تعرض المعتقلات للاعتداءات الجنسية إلى الإعلام فتقول: “أنا ضد فكرة الحديث في الاعلام عن الاعتداءات الجنسية بحق المعتقلات، وهو ما تسبب بتعميم التصور في المجتمع أن كل من تعتقل يعتدى عليها، زوجي لم يصدقني، وأعز صديقاتي لم يسألن عني، وهو ما يحز بالنفس وأصبح حاجزا كبيرا بيني وبين الناس من حولي”.
غدير محمد المحمد من حماة ليست أحسن حالاً من “ميساء” فقد تبرأ منها أهلها بعد أن هربت من مناطق النظام ورفضوا الحديث معها ولم يتقبلوا وضعها وخاصة بعد اعتقالها الثاني حسبما قالت لـ “بوابة سوريا”.
غدير الهاربة مع أطفالها إلى منطقة الدانا بريف إدلب الشمالي أرملة شهيد فقد قبل ثماني سنوات، ثم وجد جثة هامدة في سجن صيدنايا، قالت إنها اعتقلت مرتين الأول عام 2011 بتهمة التواصل مع الإرهابيين وبقيت معتقلة لمدة شهرين، أما الاعتقال الثاني فكان عام 2017 والتهمة هي “التعامل مع الإرهابيين والمسلحين ودام الاعتقال سنة كاملة.
وتسرد غدير قصتها: “احتجزت أول مرة في الأمن العسكري بحماة وكان التعذيب مستمراً حتى ترحيلي إلى فرع فلسطين بعد عشرين يوما، وبعد خروجي من الاعتقال الأول بفترة بسيطة استشهد زوجي فرفضني أهل زوجي، وطلبوا مني الذهاب إلى بيت أهلي بسبب اعتقالي، نظرة أهلي وأخوتي كانت صعبة عانيت معاناة كبيرة وكان بعضهم يرفض الحديث معي، ثم بعد الاعتقال الثاني كبر الموضوع أكثر وتخلى عني اخوتي، ثم عاد النظام لملاحقتي فخرجت إلى المناطق المحررة عن طريق مهرب دون علم أهلي، وبعد وصولي إلى إدلب عرف أخوتي أنني هربت من النظام فتخلو عني ورفضوا الحديث معي وتبرأوا مني”.
تبين “غدير” أن المضايقات المجتمعية التي تعرضت لها وخصوصا توجيه الأسئلة، عن إذا ما كانت تعرضت للاغتصاب أو الاعتداء، توازي في قساوتها ووقعها على نفسها الإهانات والألفاظ النابية التي كان سجانو النظام يوجهوها لها أثناء الاعتقال، وهو ما أزعجها أضاف معاناة إلى معاناتها ودفعها للعزلة وعدم مخالطة الناس.

*صحفي سوري