إيمان إسماعيل*
من الأساسي في العلاقات الاجتماعية وخاصة الزوجية التفاهم والحب والاحترام، حيث نعلم جميعنا أن الزواج علاقة مقدسة بين الرجل والمرآة شرعه الله كوسيلة لبقاء البشر واستمرارية الحياة، وصيانة عواطف الانسان وشهواته من الانحراف، فكانت له أحكام وآداب ومسؤوليات تفرض على الزوجين الالتزام والتمسك بها، ليسير قطار الحياة على سكته الصحيحة.
وكما باقي الأمور في الحياة، التي تتعرض لتغيرات كثيرة، كذلك الزواج تكون التغيرات فيه إما ايجابية تزيد من الحب والتفاهم والانسجام بين الزوجين مع مرور السنوات، أو سلبية، وهنا لا تقتصر سلبيتها على الزوجين بل على الأسرة والمجتمع. حيث تبدأ هذه العلاقة بالدخول بنفق من الفتور والخلافات التي تؤثر بشكل مباشر على تماسك الأسرة وترابطها.
تبدأ الامراض بالتغلغل في جسدها فتضعف لغة الحوار والتواصل وتقتل المشاعر والأحاسيس بين الشريكين، فينتهي المطاف بهما أمام خيارين أحلاهما مر، إما الطلاق بشكله المعروف، وهو اختيار كل من الزوجين حياة جديدة منفصلة تماما عن شريكه والمعروف أنه قد يكون إلى غير رجعة.
الخيار الثاني يمكن وصفه أو تسميته بـ “الطلاق العاطفي” وهو عبارة عن “زواج وطلاق بآن واحد” بتوصيف واقعي. يجبر الشريكين على التعايش مع زواج منتهي الصلاحية، فهما يعيشان تحت سقف واحد لكن بحالة من الانفصال الروحي دون تبادل للمشاعر الحقيقة، وتستمر العلاقة كشكل اجتماعي لا أكثر، بهدف الحفاظ على اﻷبناء ضمن إطار العائلة ربما أو الابتعاد عن صدمة قد يتسبب بها الإنفصال بين الشريكين في تركيبة المحيط المتمثل بعائلتي الزوج والزوجة.
بطبيعة الحال لابد من وجود علامات وأدلة على هذا النوع من الطلاق الذي يحول العلاقة من الحب والتفاهم والاهتمام المتبادل والرغبة الحقيقة بالبقاء معا، إلى علاقة في حالة ركود وموت بطيء تختفي فيها الركيزة الأساسية لنجاحها واستقرارها والشعور بالأمان فيها. فيضرب التصحر العاطفي وإهمال الشريكين بعضهما البعض عمق العلاقة الزوجية؛ حيث إن العاطفة عبارة عن نبتة تحتاج لرعاية واهتمام والبيئة المناسبة لتزدهر وتثمر، فتذبل وتجف تربتها وقد تموت.
وبالغوص في تفاصيل الاسباب المؤدية لـ “الطلاق العاطفي” نتوقف عند نقطة هامة وهي، أنانية أحد الطرفين، حيث ينظر الزوج أو الزوجة إلى حاجاته ومتطلباته فقط، وينسى حاجات وحقوق الطرف الآخر وهذا يفتح طريقا للانفصال الروحي والجسدي.
تعرض الحياة بشكل عام والعلاقة الزوجية بشكل خاص للضغوطات المادية، وبسبب حجم هذه الضغوطات تجد الزوجين منشغلين بتأمين مستلزمات وسبل العيش الكريم وغائبين شيئا فشيئا عما يحرك العاطفة بينهما.
والزواج بطبيعته يتم بين طرفين لا يمكن استغناء أحدهما عن الآخر، فعندما يفضل طرف حياته عن الآخر ويشعره بعدم أهمية وجوده؛ يؤدي لتفاقم المشكلة، فانشغال الزوج بعمله وأهله وأصدقاءه والزوجة بالبيت والأولاد والأصدقاء ونسيان أهمية بعضهما البعض، يسبب فقدان روح العائلة وقدسية الحياة الزوجية، مما يخلق فجوة كبيرة تعطي طريقا لهذا الطلاق، وتبنى التصورات المسبقة لدى كل من الطرفين فيه. وتحدث مشكلة في مستوى التواصل كبداية لهذا الطلاق، وأكثر ما يجعل التواصل صعبا بين الزوجين اختلاف المستوى الثقافي والاجتماعي واللفظي.
الناحية النفسية لها أهميتها الكبيرة في الانفصال، فعدم مصارحة أو إعلام أحد الطرفين الطرف الآخر بهمومه ومشاكله وحاجاته ومعانته، وعدم الاستماع لحديثه وإعطائه القيمة الحقيقية يحول الحياة الزوجية لكابوس، ويتم فيها استخدام الكلام المبتذل في إطار الحديث حتى من غير قصد، وهذا يكفي لتدمير الحب وبناء جدار من الجليد بين الطرفين.
وفي الحالة السورية بظل الثورة على النظام القمعي وقع الكثير من المتزوجين بهذا النوع من الطلاق بسبب تبعات الحالة الاجتماعية غير المستقرة، وبظل بحث الأزواج عن واقع جديد قد يكون أفضل من واقعهم، الذين لديهم صورة ذهنية سابقة رسموها لحياتهم ضمن الوطن، ومشاهد مطبوعة عن الحياة التي يريدون أن يعيشونها، ينعكس كل هذا على علاقاتهم الزوجية بالمستوى الأول والعلاقات مع المحيط بالمستوى الثاني.
يقف الزوجان عند حدوث هذا الانفصال أمام خيارين، إما التعايش مع واقعهما، حيث يركزان على الالتزامات الروتينية من إدارة المنزل ورعاية اﻷولاد وغيرها، مع عدم إيذاء أحدهما للآخر، ضمن صمت قاتل للمشاعر وعدم التعبير عن العواطف، مع تغيب كامل للحوار والحب والمودة. هكذا يعتقدان أنهما قد يحافظان على الأبناء من الضياع والأسرة من الانهيار. أو يتجهان لساحة حرب، يسيطر عليها الطابع العدائي والصراخ الدائم، وتكون الآثار السلبية لهذه الحرب على الحالة النفسية للزوجين واﻷطفال بشكل خاص والمجتمع بشكل عام، ويكون تأثيره أكبر بكثير من الطلاق الفعلي حيث يصعب عليهم تكوين علاقات اجتماعية صحية وطبيعية، ومنهم من يصل لمرحلة القلق والاكتئاب.
لكن وبخطوات صغيرة وعودة لكلا الزوجين لمواجهة واقعهما يمكن أن نستأصل هذا المرض الاجتماعي من جذوره، منها وجود وسيط بين الزوجين، ومصارحة كل منهما الآخر لما في داخله، كذلك تبادل الهدايا لإعادة رسم خطوط تواصل جديدة تعطي طاقة إيجابية تنعكس بشكل فعال على علاقتهما.
كذلك اﻹستماع بحب وشغف مع تبادل النظرات أثناء الحديث وإعطاء الأهيمة للكلام واستعمال الكلمات الجميلة والرقيقة بشكل دائم، والحديث بروح مرحة تزيد المحبة بينهما. كما من الضروري تجربة أمور جديدة في الحياة؛ لكسر الروتين اليومي للعلاقة الزوجية، باختصار عندا تقدم المرآة المودة والطاعة للرجل ويقابلها هو بالرحمة نلغي هذا الطلاق، وتبقى الأسرة تحت سقف واحد وتستمر الحياة.
*مدونة سورية