نايف القدور*
تعتبر الحمامات العامة أو ما يعرف عند الحلبيين بحمام السوق نظافة ومسرة وتسلية، وهو من معالم النعيم والجنة لذلك يقال لمن استحم “نعيما”.
يروي “ابن الشحنة” بأنه عندما ابتعد عن موطنه حلب، كانت معظم تلك الحمامات قد انهدمت ،وهناك بضع عشرات من الحمامات فقط تخدم السكان. وقد شيدت بعد هذه الفترة حمامات جديدة في حلب، منها حمام السلطان والبهرمية والذهب والبيلوني وغيرها. أما الحمامان داخل الأسوار وتحديداً حمام إشيق تيمور وحمام الناصري فلم يشيد في حلب حمام يضاهيهما جمالاً وهندسة.


قبل قرنين من تاريخنا زار القنصل البريطاني الدكتور” “Alexander Russell شخصياً جميع حمامات المدينة، وقدم وصفاً عاماً حولها بقي كما كان قبل قرنين. يقول راسل: “المضي إلى الحمام عادة عامة شائعة بين الجنسين.. وكان لأفراد علية القوم حماماتهم الخاصة. وعندما يكون عدد ضيوفهم كبيراً يستأجرون عندئذ حماماً”.
وقد بلغ عدد الحمامات في حلب في أوج ازدهارها 177 حمام ثم تدنى في عام 1970م إلى 40 حمام، ولم يبقى منها بعد قيام الحرب في حلب سوى 18 حمام. سوف نتحدث عن أهمها: حمام يلبغا الناصري: يعتبر من أجمل حمامات حلب، و يقع أمام البرج الجنوبي لقلعة حلب بعد الخندق، شرقي القصر العدلي. ومن المرجح أن بناءه يعود إلى أوائل حكم المماليك في منتصف القرن الرابع عشر ويُجهل اسم بانيه الأصلي، وعندما تولى نيابة حلب الأمير المملوكي سيف الدين يلبغا الناصري قام بتجديد الحمام وترميمه فحمل اسمه.
عندما دخل التتار بقيادة “تيمورلنك” إلى حلب عام (803 هجري)، دمر الأسوار والأبواب والأبنية الهامة، من بينها حمام الناصري، فأهمل إلى أن أعيد استعماله أوائل القرن العشرين، وكانت تتم فيه صناعة اللباد، فسماه الأهالي “حمام اللبابيدية”.
يمتلك الحمام واجهة جميلة جدا يتناوب فيها اللونان الأصفر والأسود، وفوق نجفات الباب والنوافذ شريط من المزررات. يؤدي المدخل إلى ممر منكسر (به 4 انكسارات)، وقد جعل الممر منكسرا للأسباب التالية:
1-حفظ حرارة الحمام، وجعل البراني بعيدا عن الساحة الخارجية أمام الحمام.
2- عدم كشف من في الداخل للموجودين في الساحات الخارجية.
أما من الناحية الوظيفية فيتألف الحمام من ثلاثة أقسام رئيسية:
القسم الأول(البراني): يتألف من قاعة مربعة تتوسطها بركة ماء مثمنة، ويحيط بها أربعة إيوانات يصعد إليها بدرجات قليلة ، اذ تشكل مساطب يخلع عليها رواد الحمام ثيابهم(مشالح)، وتحت المساطب كوات صغيرة لوضع الاحذية أو القباقيب. وسقف القاعة الوسطى قبة كبيرة في قمتها فانوس للإنارة والتهوية. أما سقوف الإيوانات فهي أقبية مهدية.
القسم الثاني(الوسطاني): ندخل إليه بممر منكسر أيضا لحفظ حرارة هذا القسم. يتألف الوسطاني أيضا من قاعة سقفها قبة فيها فتحات دائرية مغلقة بالزجاج بأشكال تزيينيه، لتؤمن إنارة هذا القسم بطريقة فنية جميلة.
يحيط بالقاعة الوسطى أربعة إيوانات فيها أجران للاستحمام. وسقوف الإيوانات مهدية.
القسم الثالث(الجواني): يتم الانتقال إليه بممر منكسر أيضا (للغاية نفسها). ويتألف الجواني من قاعة مثمنة، لها سقف عبارة عن قبة كبيرة، فيها فتحات دائرية مغلقة بالزجاج، وموزعة بشكل هندسي جميل يرسم بنجمتين ثمانيتين متداخلتين. يحيط بالقاعة أربعة إيوانات سقوفها أقبية مهدية، وفي الزوايا أربع خلوات سقوفها قباب صغيرة.


الوضع الحالي لحمام يلبغا الناصري:
تعرض الحمام لقصف من قبل قوات النظام بتاريخ 17/1/2015م أدى لأضرار كبيرة حيث دمرت القبة الكبيرة في القسم الجواني بشكل كامل، وتعرض القسم الجنوبي من القسم الوسطاني للدمار بشكل جزئي، وخاصة القباب وأيضا تعرض القسم البراني للدمار من الناحية الجنوبية بشكل جزئي.
*باحث أثري