ليان حسن *

لطالما استغلت حواجز النظام على مداخل غوطة دمشق الشرقية خلال فترة حصارها، حاجة الناس للبضائع بكافة أنواعها، وتقاضت مبالغ مالية كبيرة لقاء السماح بدخول كميات قليلة من تلك البضائع. وإلى اليوم وبعد عام من سيطرة النظام على الغوطة، ما تزال الأجهزة الأمنية تتبع النهج ذاته وتُقاسم ومعها دوريات الجمارك الناس في أرزاقهم.

وأكد عدد من مالكي معامل وعمال فيها وتجار ألبسة في الغوطة الشرقية، في حديثهم لـ “بوابة سوريا” اضطرار مالكي معظم المعامل في المنطقة إلى دفع مبالغ مالية أسبوعية وشهرية بشكل دائم لدوريات تتبع للأجهزة الأمنية والجمارك، إضافة إلى دفع مبالغ أخرى للحواجز لقاء السماح بمرور البضائع، الأمر الذي يؤدي إلى رفع سعر تكلفة البضائع وينعكس على المشتري بشكل مباشر.

تقاسُم النفوذ الأمني في الغوطة الشرقية

أفاد عدد من السكان المحليين في مناطق مختلفة من الغوطة الشرقية أن الأجهزة الأمنية تتقاسم النفوذ والسيطرة على المدن والبلدات، ويشمل ذلك الحواجز وعمليات المداهمة والسطوة الأمنية و”فرض الإتاوات والإكراميات”.

وبحسب المصادر فإن “مكتب أمن الدولة” يسيطر على مدينة دوما، في حين يسيطر “الحرس الجمهوري” و”الفرقة الرابعة” على مدن عربين وحرستا وكفربطنا، أما “الفيلق الخامس” التابع لروسيا فيسيطر على مرج السلطان والنشابية.

وبحسب عدد من السكان فإن دوريات تابعة لـ”مديرية الجمارك العامة” تجول في أسواق المناطق المذكورة بشكل أسبوعي.

ضريبة لـ “دعم الجيش والممانعة”

تحدث موقع “بوابة سوريا” إلى اثنين من مالكي المعامل في الغوطة الشرقية، وتحفّظ الشاهدان على ذكر اسمهما ونوع معمليهما، وأكدا أنهما يدفعان مبلغاً من المال بشكل شهري لقاء ما أسماه عناصر الأمن بـ”دعم الجيش والممانعة” وهذا المبلغ هو عبارة عن 10 بالمائة من الأرباح الشهرية للمعمل.

أحد الشاهدين قال إن النسبة المفروضة على الأرباح تتفاوت من معمل لآخر تبعاً لنوعه وحجم الإنتاج، كما أن أصدقاء له من مالكي المعامل أخبروه أنهم يدفعون شهرياً نسبة تترواح بين 10 إلى 20 بالمائة من الأرباح وذلك لقاء ما أسماه العناصر في منطقتهم بـ”المجهود الحربي” و”إعادة الإعمار”.

وحول طريقة جباية هذه الضريبة قال أحد مالكي المعامل: “في نهاية كل شهر يأتي عناصر محددون وغالباً يكونون نفس العناصر في كل شهر، يطلبون مني دفتر الحسابات المعدّ لمصلحة الضرائب ويقوم بإجراء الحساب لأرباح الشهر وفق الأرقام المسلجة في هذا الدفتر، ويحسبون الحصة المتفق عليها ويأخذونها نقداً”.

وتابع: “لديّ دفتران، كحال كل التجار، دفتر حسابات يومي خاص بي ودفتر خاص بمصلحة الضرائب والذي لا يحوي عادة على حجم الأرباح الحقيقي، نحمد الله أنهم يعتمدون هذا الدفتر، وندفع ما يطلبون لأنهم سيؤذوننا في حال رفضنا الدفع، وكما يقول المثل: بالمال ولا بالعيال”.

وقدّر أحد التجار الذين تحدثت إليهم “بوابة سوريا” أن نحو 70 بالمائة من المعامل في الغوطة الشرقية استأنفت عملها، حيث كان لها أفرع خارج الغوطة وخارج سوريا، وعاودت الافتتاح في الغوطة بعد سيطرة النظام.

إتاوات “حفظ الأمن” و”الإكرامية”

قال أحد بائعي الألبسة في مدينة دوما إن دوريات تابعة لـ”أمن الدولة” تجول شارع الجلاء يوم الخميس من كل أسبوع، وتطلب من كل محل مبلغاً مالياً يترواح بين 5 إلى 10 آلاف ليرة سورية، وذلك لقاء ما تسميه تلك الدوريات بـ “حماية المنشآت وحفظ الأمن”، وبعضهم يقول إنه “إكرامية ودفع بلاء عن صاحب المحل”.

بدوره قال صاحب محل ألبسة آخر إن “الإكرامية” تكون أحياناً على شكل ملابس، حيث يدخل العنصر إلى المحل ويختار بنطالاً وقيمصاً ويأخذها دون دفع ثمنها، ولا يجرؤ صاحب المحل على طلب الثمن منه، مشيراً أن سعر البنطال يبدأ من خمسة آلاف ليرة والقميص من أربعة آلاف، ويضيف “لا مفر من الدفع والخسارة سواء كان الدفع نقدياً أو كبضاعة”.

وحول الأرباح وتغطية تلك المبالغ التي يضطرون لدفعها كإتاوات، قال أحد تجار البضائع : “كل ما ندفعه للحواجز والعناصر من ضرائب ورشاوى محسوب، إذ نضيف المبلغ إلى سعر التكلفة ونرفع سعر البضاعة، وبذلك نكون قد جبَرنا الكسر، لكن ذلك ينعكس بشكل سلبي على المشتري العادي، حيث يرتفع سعر المادة مقدار النصف تقريباً، خسائرنا تعوض على حساب المشتري العادي”.

وسيطرت قوات النظام على مدينة دوما في نيسان ٢٠١٨، بعد حملة عسكرية دامية وقصف لم يسبق له مثيل، وقد شبّه ناشطو المدينة أوضاعها أثناء تلك الحملة بـ “القيامة”، وانتهت الحملة بتهجير آلاف السكان إلى شمال سوريا، في الوقت الذي لا يزال فيه آلافٌ آخرون محتجزون داخل مراكز إيواء بالقرب من دوما، ممنوعون من العودة إليها.

 

 

guest
1 تعليق
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
trackback

[…] يعلم كلانا، أنه لن يتدخل أحد لإنقاذ الضحايا، فواقعياً أيضاً، لم تتدخل دولة في العالم لإنقاذ شعب […]