محمد الأسمر *

“تاريخ يمشي على الأرض”. بهذه العبارة يختصر الكثيرون من أصدقاء فايز قوصرة سيرته الثقافية. فايز قوصرة هو ذلك الكهل الذي تتوهج شعلة الشباب بداخله يوماً بعد يوم ليسابق الزمن، وينقل مافي جعبته إلى كتب ومدونات تستفيد منها الأجيال القادمة.

فايز قوصرة مؤرخ وباحث سوري من مدينة إدلب تجاوز عمره الـ 74 عاماً، قضى قرابة الخمسين عاماً منها في دراسة وتوثيق آثار محافظة إدلب. درس المرحلتين الإعدادية والثانوية في مدينة إدلب، وتابع تحصيله الجامعي في جامعة دمشق التي حاز فيها على إجازة في التاريخ وأخرى في الدراسات الفلسفية والاجتماعية. ألّف قوصرة قرابة الثلاثين كتاباً تمكّنَ من طباعة عشرة منها، فيما بقيت المؤلفات الباقية على شكل نسخ الكترونية.

من أبرز مؤلفاته: “الرحالة في محافظة إدلب” والصادر عام 1984، و”قلب لوزة درة الكنائس السورية” وصدرَ باللغتين العربية والإنكليزية، و”من إيبلا إلى إدلب” وهو مجلد ضخم يحوي أكثر من 140 وثيقة وصورة ويقع في 422 صفحة. اهتم منذ مطلع شبابه بدراسة تاريخ المنطقة وتوثيق آثارها.

التقت “بوابة سوريا” مع المؤرخ قوصرة الذي تحدث عن سبب شغفه بالآثار قائلاً: “اهتمامي وشغفي بالثقافة دفعني للتعمق في دراسة آثار المنطقة، حيث كنت من مؤسسي أول مركز ثقافي في إدلب عام 1960، وفي تلك الفترة اقتربت من الأديب عبد الرحمن الجبير الذي قدم لي كل إمكانياته، وفتح لي مكتبته التي كانت تعتبر كنزاً ثميناً في تلك الفترة. لكن وخلال متابعاتي الثقافية لمست إجحافاً كبيراً بحق إدلب وغياباً لذكرها في كتب التاريخ القديمة، وغياب المراجع التاريخية عن المدينة، الأمر الذي دفعني إلى الاهتمام بآثار المدينة ثم التوسع في الاهتمام بالمحافظة ككلّ وذلك بسبب كثرة المواقع الأثرية فيها، وأرى أن محافظة إدلب وحدها تضم ثلث آثار سوريا”.

لم تكن الطرق معبدة أمامه كما يقول، إذ لم يتلق أي دعم أو تشجيع على الأعمال والدراسات التي كان ينجزها، لا من المسؤولين ولا من المواطنين، مبيناً أن ما كان ينجزه بمفرده كان بحاجة إلى طواقم كاملة لإنجازه. “اعتمدت على نفسي بشكل رئيس في إنجاز دراساتي وكنت أبحث عن المراجع الأجنبية وأعمل على ترجمتها للحصول على أي معلومة، وهذا ما أقرت به البعثات الفرنسية والإيطالية التي كانت تأتي لزيارة سوريا”.

وعن تأثر الموروث الثقافي والأثري في إدلب خلال سنوات الحرب يقول “قوصرة”: “لقد دمرت الحرب التي عشناها في إدلب التراث الثقافي للمحافظة، وكنتُ كلما زرت موقعاً أشاهد حجم التغير والتشوّه الأثري الذي أصابه بالمقارنة مع آخر زيارة إليه، فقد انتشر التنقيب عن الآثار بشكل عشوائي، ما انعكس سلباً على الكثير من المواقع الأثرية وأدّى إلى تغير في ملامحها وفقدانها هويتها، فعلى سبيل المثال قمنا منذ فترة بزيارة لقرية بردقلي، وأصبت بالدهشة حين وجدت أن حياً كاملاً تمت إزالته بطريقة عشوائية بهدف البناء في المكان، مع العلم أن آثار هذا الحي تعود إلى القرن السادس الميلادي”.

ويتابع: “بالقرب من كفردريان هناك قرية تسمى ماعز، وتضم كنيستين وبقايا دير بالإضافة إلى مدافن من أيام تدمر، وكلها تمت إزالتها وتقطيع حجارتها للبناء فيها مرة أخرى. فغياب الضوابط القانونية والأخلاقية خلال سنوات الحرب أدى إلى تدمير الكثير من المواقع بفعل القصف أو بفعل التنقيب العشوائي”.

ويلفت “مؤرخ إدلب” النظر إلى أن أغلب المواقع الأثرية الموجودة في المحافظة مسجلة ضمن لائحة التراث العالمي لدى “الأونيسكو” نظراً لأهميتها البالغة، لكن معظمها قد تهدم وتأثر بالحرب ولا توجد أي جهة تشرف عليها بشكل مباشر. وهو لا يخفي نظرته السوداوية للواقع “حيث يسرق تراثنا ويُدمَّر ونحن في غفلة من هذا الأمر”.

وعن السبل المتاحة التي تسمح بالحفاظ على ما تبقى من آثار، يطالب قوصرة بتكثيف التواصل مع كافة المنظمات المهتمة بالمشاريع الثقافية، مشيراً إلى أنهم أطلقوا نداءاً سابقاً تحت عنوان: “أنقذوا آثار إدلب”. وأوضح أنه يتم العمل اليوم على تشكيل لجنة بهدف متابعة وحماية آثار المحافظة، إلى جانب حملات التوعية التي من شأنها تثقيف أهالي المحافظة بتاريخ تلك الآثار وأهميتها الحضارية وضرورة العمل بشكل جماعي لحمايتها.

يقيم قوصرة في إدلب اليوم، وقد رفض مغادرتها رغم الخطر المحيق به، وفضّل البقاء على خيارات السفر التي عرضت عليه.