ابتسام المعروفة في أوساط زميلاتها المعتقلات السابقات في إسطنبول، باسم “بسمة السيد” تروي لـ “بوابة سوريا” قصتها ودموعها لا تفارق وجهها، تحاول أن تختصر معاناتها الطويلة جراء اعتقال لمرات عديدة بكلمات تختزن في طياتها حزناً وألماً أطبقا على حياتها، التي كانت تتمنى أن تكون أفضل بعد خروجها إلى الحرية.
تتمالك “بسمة” مشاعرها بصعوبة وهي تدلي بشهادتها عن القهر الذي عاركته مرات ومرات في معتقلات النظام، ومرة في سجون مجموعة تحسب زوراً على الجيش الحر، أولى تلك المآسي كانت عام 2012 عندما كانت متجهة من برزة البلد إلى مدينة عربين في الغوطة الشرقية، حيث اعتقلتها الفرقة الرابعة.
تقول “بسمة”: كنت ذاهبة إلى الغوطة لأخيط بدلة لعروس وإذا بها بدلة تخاط كفنا لكرامتي التي هدروها وشتموها بألفاظهم البذيئة، وبدأت عندي رحلة العذاب والقهر والذل، عذبوني حتى أصبح داخلي يصرخ بكل آهات الدنيا ومن بعدها حولوني على فرع ٢١٥، خرجت بعد ٦ شهور أنا وفتاتين وشاب رمونا في الطريق مقابل باب مصلى”.
تضيف “بسمة”: “الناس لم تكن تعرف أنني معتقلة فقد كان زوجي يقول أنني سافرت من أجل عمل في لبنان، كنت مصابة بأزمة نفسية سيئة جدا وصلت لحالة من الاكتئاب الدائم، حتى اعتقلت مرة أخرى باللواء ٢١ أنا وزوجي وابنتي بعد أشهر قليلة على إطلاق سراحي، وفي نفس الفترة اعتقل طليقي، فتشرد أولادي من زوجي الأول، حتى أطلق سراحي بعد شهرين و10 أيام، بطلب من أحد مشايخ المصالحات في مدينة الرحيبة التي اعتقلت فيها لاحقاً، من قبل مجموعة محسوبة على الجيش الحر بتهمة باطلة وهي التعامل مع النظام وخرجت بعد شهرين من الاعتقال والتعذيب”.
تردف “بسمة”: ” في هذه الفترة الناس علمت أني كنت معتقلة، وتغيرت نظرة العالم لي، وكانوا يقولون عني أني بكل فترة أذهب للنظام من كتر ما أحب الأمور الجنسية، وتحملت كتيرا من كلام الناس، ثم رحلت من منطقة الرحيبة وعدت لمنطقة معربا حيث أولادي، ومنها إلى بلدي برزة عام ٢٠١٤، بعد ما فقدت ابني، وأصبحت أتردد إلى مشفى ابن النفيس للعلاج من الأمراض التي سببها الاعتقال والتعذيب، وفي يوم 8 شباط 2015 كنت متجهة للمستشفى قام النظام باعتقالي أنا وابنتي يمامة ونقلونا إلى آمرية الطيران، كان أكثر خوفي على سمعة ابنتي العروس الحامل في أسابيع حملها الأولى، والتي لا يتجاوز عمرها 16 سنة بعد أن عانيت الأمرين من كلام الناس ونظرتهم بعد اعتقالي”.
وتقول “بسمة”: “لما علم أهلي إني اعتقلت من المرة الأولى رفضوني رفضا كاملا، عدا أخت واحدة، لم يعد أحد يعترف بي من أقاربي الذين كانوا يرفضون السلام علي ولا يكلموني، مع أن اخوتي وأولادهم الشباب والبنات اعتقلوا بعدي، لكنهم رفضوني رفضا تاما على عكس تعاملهم مع غيري بسبب تكرار اعتقالي، وما أشيع عن تعاملي مع النظام، ولما عدت للبلد كانوا يقولون عني اني إنسانة سيئة كون النظام ارتكب بي الفظائع”.
تضيف “بسمة”: “كل ما سبق جعلني أخاف على مستقبل ابنتي يمامة أكثر من خوفي على نفسي، وبعد أيام انتهى التحقيقي معنا ثم حولونا لسجن مطار المزة فرع الجوية، وفي مكتب قلم الفرع التقيت أنا وابنتي لدقائق، بعدها اقتادونا إلى المنفردات ولم أشاهد ابنتي حينها، وضعي الصحي كان سيئا وصحتي تتراجع والصدمة أني كنت حاملا لكن لم أكن أعلم، كانوا بكل يوم يقولون أن ابنتي اعترفت علي، ويعيدوا التحقيق معي و مع ابنتي ويقلوا لها أمك اعترفت عليكي، وحاولت أن أسأل عن ابنتي، فيجيب العناصر سنقطع رقبتها. قضيت عذابا لا يتحمله مخلوق”.
تستطرد “بسمة” في رواية ما جرى معها: “وبعد ٨ ايام بالمنفردة، أخرجوني انا وابنتي لزنزانة جماعية، رأيت ابنتي وصرت أبكي، بهذه الفترة كان عناصر الفرع يغلقون أعيننا، ثم يقيدونا، وينزلونا للتحقيق لمدة ١٣ يوما، وكنت كل مرة أرجع منهارة، وبعد ١٥ يوما نادى عنصر برقمي ولم ينادي برقم ابنتي، بكيت ورفضت الخروج”.
تتابع “بسمة”: عرفت أنهم سيفرقونني عن ابنتي، أخذوني إلى القلم، وسلموني أغراضي فقط وقالوا لي اذهبي للعميد قحطان و أجيبيه، وهو يخرج ابنتك ، وبعدها أخذوني آمرية الطيران، وبدأوا بالتحقيقي معي بأسماء الجيش الحر، وأنا أنكر اني بعرف حدا منهم، وبعد ٢٣ يوما، أخذوني بسيارة وقالوا لي لا تنظري يمينا أو شمالا ، لفت نظري صوت رصاص، ونظرت فاذا بهم يعدمون شبانا وفتيات، وللحظة لمحت فتاتا تشبه ابنتي رميت برصاصة في الرأس.
تسترسل “بسمة” في الحديث عن عذابات تلك اللحظات وهي تظن أن ابنتها أعدمت لتمضي كل الطريق من الفرع الأمني الشهير بفنون التعذيب والوحشية، إلى حي برزة البلد وهي تبكي على ابنتها تقول:بعد وصولي إلى بلدي سلموني لجماعة المصالحة من أهل بلدي الذين سلموا النظام سيارة مقابل إطلاق سراحي، كنت اترجاهم ان يعيدوا ابنتي وبنفس الوقت شعرت بنفسي رخيصة ابادل بسيارة…آه و ألف آه، واخدوني إلى بيتي و همي ابنتي ودموع ابني وابنتي وزوجي وصهري على بنتي، لأنها لم تخرج بعد، ٣ شهور مضت على خروجي من السجن، أحسست بشيء يتحرك بداخلي فقلت اضطرابات بالمعدة أو القولون، وكنت اسمع من الناس كلاما عن ابنتي انه من الجيد لها أنها كانت متزوجة حتى لا يغتصبوها، حاولت كتيرا أن أوضح للناس أنني لم أغتصب، وتحملت كتيرا، لكن الكارثة كانت عندما اكتشفت أني حامل وأني بالشهر الرابع، تفاقمت المشاكل والظنون عند زوجي وحتى عندما أخبرت ابني أني حامل، قال لي من؟، تحملت تحقيقات من الناس”.
تضيف “بسمة”: “زوجي رفض الولد رفضا كامل، وأخبرته أن الطبيب قال أن لحمل حدث قبل دخولي السجن بثمانية أيام ولكن بلا فائدة، صارت نظرات السوء تلاحقني، تحملت إهانات كثيرة وما زلت أعاني منها ونظرات الاحترام التي كانت بعيون الناس من حولي انقلبت لاحتقار، كنت أفكر بقتل نفسي والطفل الذي بداخلي، مع انه كان حلما لي، ولدت طفلي وزوجي رفض حمله ورفض أن يسميه، كنت عم ادعي ربي أن يبين الحقيقة، ولم يسأل عني أحد أو عن الطفل، وحتى رفيقتي التي كنت أحبها لم تقدم على زيارتي، الطفل أصبح يشبه عمه، عندها، انتهيت من هاجس زوجي، وبقيت أبرر للناس أني كنت حاملا به قبل اعتقالي، وأحاول الدفاع عن ابنتي يمامة التي بقيت معتقلة لأشهر حتى خرجت بعملية تبادل”.

*صحفي سوري

guest
1 تعليق
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
trackback

[…] الإعلامية سحر زعتور تجربتها المريرة التي عاشتها في المعتقل ومرحلة ما بعد خروجها منه، وكيف صنع المعتقل منها فتاة […]