“عندما تمتلك القوة والإصرار المترافقَين مع دعم الوسط المحيط بك، تستطيع أن تتجاوز أقوى الانتكاسات التي قد تمر في حياتك، وقد يمكّنك إصرارك من تحويل تلك الهزات إلى عامل إيجابي يشكل جزءاً من نجاحك المستقبلي”.

بهذه العبارة تلخص الإعلامية سحر زعتور تجربتها المريرة التي عاشتها في المعتقل ومرحلة ما بعد خروجها منه، وكيف صنع المعتقل منها فتاة جديدة. قضت زعتور قرابة عامين من حياتها متنقلة من معتقَل إلى آخر، نتيجة اتهامها بالمشاركة في المظاهرات وتنظيمها.

تقول سحر: “تم اعتقالي في نهاية عام 2014 على حاجز الراموسة في حلب أثناء توجهي من بلدتي كفرنبل إلى حلب لإجراء الامتحان الجامعي، بسبب قيام أحد المخبرين برفع تقرير يتحدث عن مشاركتي في مظاهرات المدينة. وبعد التحقيق اكتشفت قوات الأمن وجود عدد من أخوتي ضمن المنشقين، الأمر الذي زاد الطين بلةً، فتحولت التهمة الموجهة إليّ إلى “التعامل مع الإرهابيين”، حيث تم نقلي من فرع الأمن العسكري بحلب إلى حمص، وهناك استمر اعتقالي في فرع الأمن العسكري ومقر الشرطة العسكرية حتى نهاية 2015 قبل أن يتم نقلي إلى الفرع 248 في دمشق، وهي الفترة الأصعب طوال فترة اعتقالي، حيث يوضع المعتقلون في زنزانات موجودة بعمق ثلاثة طوابق تحت الأرض، ناهيك عن حجم الألم والتعذيب الذي ينزل بهم هناك. وبعد فترة تم نقلي إلى سجن عدرا وهو آخر محطات اعتقالي، ومنه تم الإفراج عني بعد انتهاء مدة الحكم وقيام أهلي بدفع حوالي عشرة ملايين ليرة سورية كإتاوة لتخفيف مدة الحكم”.

اجتمعت سحر في المعتقل مع الكثير من النساء والأطفال ممن لم تتجاوز أعمارهم 14 عاماً بتهمة “الإرهاب”، وجميعهنّ تعرضنَ لضغوطات نفسية وجسدية قاسية.

وتتابع: “لا يفرق السجان بين فتاة أو شاب في المعتقل، فالجميع يذوقون شتى أصناف العذاب، وبسبب توجيه تهمة الإرهاب للمعتقلات، كان لزاماً عليهن تجريب حفلات التعذيب التي قد تبدأ باستعمال الكهرباء والضرب بخراطيم المياه وتنتهي بالشبح، وهي عملية تعليق المعتقل من يديه ورفعه عن الأرض وضربه بالعصي الخشبية والكابلات الكهربائية، وأعتبر نفسي محظوظةً نوعاً ماً لدى مقارنة ما تعرضت له من تعذيب مع ألوان التعذيب التي كانت تنزل على باقي المعتقلات”.

ترى سحر أن معاناة المعتقلة لا تنتهي بخروجها من المعتقل، بل قد تكون الفترة التي تلي فترة المعتقل من أصعب فترات الحياة بالنسبة للفتاة الخارجة منه، وتشير إلى أن “ضغوط الأهل ونظرة المجتمع تكون في كثير من الاحيان أكثر قسوة من الحياة في المعتقل، وأعرف الكثير من الصديقات اللواتي تعرضن لتعنيف نفسي بعد خروجهن من السجن، الأمر الذي دفعهنّ للمقارنة بين حياتهم الحالية وحياة السجن، وتفضيل الحياة القديمة على واقعهن الحالي”.

في ذاكرتها أسماء كثيرة لفتيات انقلبت حياتهنّ إلى جحيم بعد خروجهن من المعتقل، نتيجة قسوة الأهل وجهل المجتمع، وتتذكر، بحرقة، قصة صديقتها التي طلقها زوجها أثناء وجودها في المعتقل، وبعد خروجها من المعتقل اعتبرها أهلها “عاراً” على العائلة وقرروا تزويجها لأي شخص يتقدم منها، فزوجوها من مهاجر لا يتقن العربية وعاملها معاملة سيئة، إلى أن اضطرت للتنازل عن أطفالها مقابل طلاقها منه، ليعاود أهلها تزويجها من جديد من رجل يكبرها بسنوات كبيرة “بغية التخلص منها”.

لم تتعرض سحر زعتور بعد خروجها من المعتقل إلى ضغوط المجتمع كما حصل مع غيرها من المعتقلات بحسب قولها، فقد شكلت عائلتها إلى جانب الأصدقاء عوناً لانطلاقتها الجديدة، “فتقبل الأهل لفكرة تعرض البنت للاعتقال ينعكس بشكل إيجابي على مجتمعها المحيط، وقد علمتني تجربة السجن أن هناك مسؤولية تترتب عليّ تجاه صديقاتي المعتقلات اللواتي عشت معهن وعانيت ما يعانينه باستمرار”.

بدأت سحر دراسة “إدارة الأعمال” من جديد، وبدأت العمل في مجال الإعلام والصحافة لتثبت لمجتمعها أولاً ولنظام الأسد ثانياً أن المعتقل لا يكسر إرادة الأحرار.

 

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments