محمد محمد عارف*

“رفضتُ المجتمع ومفهومه الخاطئ عن المُعتقلة، ولن أنسى موقف زوجي الإيجابي وكلماته الداعمة لي.. من المحال أن تُمحى صور الفتيات اللواتي كنّ معي في المعتقل من ذاكرتي، حيث وصلني نبأ إعدامهن بعد خروجي بفترة”.

بهذه الكلمات عبرت “لمى أم خالد” من حي القابون الدمشقي عن حالها بعد خروجها من معتقلات النظام، حيث دام اعتقالها قرابة عام كامل وبتهمة معتادة ومعروفة لدى نظام الأسد: “الإرهاب”، وهي تهمة كفيلة بأن تذيق الشخص عذاباً لم يذق مثله في حياته، وأن يشاهد ويلات لم يرها من قبل.

الاعتقال أو “بداية الحكاية”

أم خالد من مواليد 1990، وكانت من أوائل منسقي المظاهرات في أحياء ريف دمشق إلى أن تم اعتقالها نتيجة “خطأ” لم يكن في الحسبان، حيث قامت وثلّة من رفاقها بتوزيع منشورات تهدف إلى تحفيز الناس على النهوض وكسر الظلم ومواجهة فساد النظام، بالإضافة إلى مساعدة الفقراء. وبعد مدة، قامت أم خالد بزيارة منزل خطيبها في حي برزة بسبب عدم قدرته على الخروج من الحي، وعند عودتها إلى حي الزبداني أوقفها حاجز من حواجز النظام، وقام العناصر بتفتيشها ليجدو أوراقاً تخص المساعدات وبعض المنشورات التي كانت تقوم بتوزيعها.

تقول أم خالد في حديثها إلى “بوابة سوريا”: “اقتادوني إلى سجن الحرس الجمهوري، ثم إلى فرع الأمن السياسي لأبقى معتقلة فيه حوالي ثلاثة أشهر، وهو فرع معروف بفظاعة تعذيبه وبِنُدرة من يخرجون منه أحياءً. بعد ذلك وُضعت في زنزانة منفردة كتب على جدرانها أسماء أشخاص دخلوها وبجانب الأسماء مدة سجن كل منهم، فسارعت وكتبت اسمي على الحائط، ثم تم نقلي إلى غرفة تحمل اسم ج4، وصدمت بمشاهدتي فتيات في عمر 14 عاماً في نفس الغرفة، وكان باب الزنزانة يفتح كل بضع ساعات ويلقى فيها بفتاة كانت في جلسة من جلسات التعذيب والتحقيق وقد أنهك جسدها من الضرب”.

وعن جلسات التحقيق معها بيّنت أنها كانت تُقتاد إلى التحقيق يومياً وتُسامُ أقسى أنواع العذاب كـ”الشبح” وغيره، ثم تمّ نقلها إلى “سجن عدرا المركزي” كاستمرار للمعاناة، ولتقضي فيه ستة أشهر من العذاب أيضاً قبل إخلاء سبيلها. وتروي أم خالد قصصاً مؤثرة عن معاناة السجينات من بينها حفلة الوداع بالدموع التي سبقت إخلاء سبيلها، وقصة الفتاة تسنيم (15 عاماً) التي قصّت خصلة من شعرها وطلبت منها الاحتفاظ بها وإرسالها إلى عائلتها. خرجت أم خالد من السجن قائلةً لهنّ: “خايفة ما أرجع أشوفكن”، وهذا ما حصل فعلاً، فقد وصلها خبر إعدامهن جميعاً بعد خروجها بحوالي شهرين.

عزلة ما بعد المعتقل

حالة نفسية مزرية وعزلة كاملة عن العالم مرت بها بعد خروجها من المعتقل، وهي حالة استمرت عامين ونصف العام، وذلك لعدة أسباب جعلتها تفقد ثقتها بمجتمع لا يعرف كمّ ونوع العذاب الذي تذوقه المعتقلات مقابل كلمة الحق والثورة.

تتحدث أم خالد عن أول يوم من أيام خروجها من المعتقل: “قبيل وصولي إلى منزل أهلي برفقة أمي وأبي، كانت ذاكرتي ما تزال في الجناح الخامس وأنا أفكر بتسنيم ومصيرها، وما الذي يحدث لبقية السجينات في هذه اللحظة، فقد تعلقت بهن كثيراً، ثم بدأت أستقبل زائراتي من نساء الأقارب وأسمع حديث بعضهنّ السيء عني، أو عباراتٍ تحث على الشفقة وتؤكد أن لا مستقبل لي بعد الآن. عندها، تمنيت لو أنّني بقيت داخل المعتقل بدلاً من سماعي تلك الأحاديث من أناس ظنتهم سيستقبلونني بالعطف والرحمة، ومن العبارات التي أستطيع البوح بها وسمعتها بأذني: “الله عليم شو صاير معها”، وغيرها من عبارات أتحفظ على ذكرها لفظاعة معناها”.

وتتابع: “في الليالي الأولى من مبيتي بين أهلي أصبحت كوابيس التعذيب لا تفارقني، وكنت في كل ليلة أرى رفيقاتي وهن يصرخن من الألم، إلى أن مضت فترة زادت فيها أقاويل الناس وكلامهم عني بالسوء أو بالشفقة، وكان الكلام يصلني وأحياناً أسمعه بنفسي. دخلتُ في حالة عزلة عن العالم، ثم قررت أن أغير واقعي هذا وأن أفعل شيئا للمعتقلات اللواتي يذقن الموت عشرات المرات في سجون النظام كل يوم”.

وعن انطلاقتها الجديدة وتغيير حياتها تقول: “تزوجت من خطيبي السابق بعد سنة من خروجي من المعتقل، وهو لم يغير من نظرته وثقته بي، وكثيراً ما كان يدعمني ويشدد بالقول إنني سُجنت في سبيل الحرية والكرامة، على عكس بقية الناس ممن اعتبروا المعتقلة صفةً لامرأة مذمومة تجلب العار لأهلها، ثم تم تهجيرنا إلى الشمال السوري لتبدأ المعاناة مرة أخرى، مصحوبة بذكريات المعتقل وكلام الناس الذي لا يمحى من الذاكرة”.

بعد انتقالها وزوجها إلى بلدة معرة مصرين في ريف إدلب، عَمِلا في بيع قطع البالة نتيجة للظرف الاقتصادي السيء، ثم بدأت البحث عن جهة مختصة صادقة تهتم بشؤون المعتقلات وتسعى للإفراج عنهن، لكنها لم تجد أي جهة بهذه المواصفات، “فاللواتي خرجن ونَجونَ من ظُلم الأسد كان لهنّ نصيب من ظلم وتسلط بعض المنظمات والعاملين فيها أيضاً، وأغلب المؤسسات التي تدعي الاهتمام بشؤون المعتقلات هي كاذبة، ولديها طرقها في التسلط والسرقة باسم المعتقلة، وإن تم تقديم المساعدات لهذه المعتقلة فبطريقة مهينة تُذل المرأة التي لا ينوبها إلا كلام الناس المؤذي، فقطعت علاقاتي مع هذه المنظمات، وبدأتُ بالتواصل بشكل مباشر مع من يحتاجون المساعدة، وقد وصلتني الكثير من التهديدات بسبب عدم تجاوبي مع أي منظمة أو مؤسسة ولكوني صلة وصل بين مجموعة كبيرة من المعتقلات، سواء في منطقتي أو في غيرها”.

تختم أم خالد حديثها بالقول إن “فئة كبيرة من المجتمع تنظر للمرأة التي نجت من المعتقل على أنها عار أو بِلا دور، وفئة أخرى تنظر إليها على أنها سلعة تتم المتاجرة بها، لكنهم لا يعرفون أن تلك المرأة سُجنت في سبيل قضية تهم الجميع، ومن أجل أن يعيشوا بحرية وكرامة”.