منذ انطلاق الثورة السورية وخروج الأهالي في مظاهرات ضد نظام الأسد، عمد الأخير إلى قتل أو اعتقال وتغييب كل من خرج ضده، ولم يستثن رجلاً أو امرأة أو طفلاً من ذلك.

خديجة “أم محمد” (30 عاماً) من قرية كفر داعل غرب حلب، إحدى النساء اللواتي طالهنّ اعتقال نظام الأسد بسبب مشاركة زوجها في المظاهرات، إذ أوقفها حاجز تابع لقوات النظام أثناء توجهها إلى مدينة حلب برفقة والديها في كانون الثاني 2012، وتم اقتيادها معصوبة العينين من قبل عناصر الحاجز وهم يوجهون إليها سيلاً من الشتائم والعبارات التي يعجز اللسان عن وصفها، إلى جانب اتهامها بـ “الإرهابية والخائنة والعميلة”. خرجت أم محمد من المعتقل لتكون لها قصة مع المجتمع في نظرته للمرأة المعتقلة، كما هو الحال مع معتقلاتٍ كثيرات..

في فترة الاعتقال
عانت خديجة كثيرة أثناء فترة اعتقالها، وتتحدث لـ “بوابة سوريا” في وصف تفاصيل الاعتقال:
“بقيت لمدة يوم كامل تقريباً في تلك الغرفة المظلمة، وكنت أسمع أصواتاً غريبة من الغرف القريبة، أصوات رجال يصرخون ويعذَّبون، وليفتح أحدهم باب الغرفة ويقتادني إلى غرفة أخرى دون أن ينطق بحرف واحد، ثم جاء شخص قال لي أنه المحقق، وأخبرني أنني في فرع أمن الدولة في حلب، وبدأ بسؤالي أسئلة عن زوجي والمظاهرات التي شارك فيها، فأجبته بأني لا أعرف شيئاً عن ذلك، فانهال علي بالضرب بيديه حتى أسقطني أرضاً، وبدأ يضربني بقدميه ويشتمي بكل أنواع الشتائم، قبل أن يعيدوني إلى الغرفة التي لم يفارقني فيها شعور الخوف للحظة واحدة”.

وتتابع: “ما زالت أصوات المعتقلين عالقةً في ذهني، لن تغادره ما حييت، فقد كانوا يجبرونني على مشاهدة تعذيبهم الرجال والشبان بطرق رهيبة، من الصعق بالكهرباء والضرب بالأدوات الحادة إلى الشبح، حتى تغطي الدماء أجسادهم أو يغمى عليهم، ومن ثم تتم إعادتهم إلى غرفهم دون تقديم أي علاج لهم”.

استمرت فترة اعتقالها 25 يوماً من دون أن يشركوا معها أي امرأة في الغرفة، وكانت تتلقى الضرب والإهانات من قبل عناصر السجن طوال تلك المدة، وأفرجت عنها قوات النظام بعد أن دفع ذووها مبالغ مالية طائلة لضباط في نظام الأسد، بحسب قولها.

وجهاً لوجه مع المجتمع
اصطدمت خديجة بعد خروجها من المعتقل بطريقة تعامل شريحة كبيرة من المجتمع المحيط بها مع النساء المعتقلات، والنظرة السلبية تجاه من يخرجن من المعتقل، وكانت تواجه بأسئلة عن تعرضها للتحرش في المعتقل أو ما شابه ، مما زاد من ألمها ومن سوء حالتها النفسية، وتُبيّن أنها تخطت تلك العقبة بفضل والديها وأخوتها وزوجها الذي ابتعد عنها في الفترة الأولى خوفاً عليها من مخبري النظام مجدداً.

وتكمل حديثها لـ “البوابة”: “أقسى عبارة سمعتها بعد خروجي من المعتقل كانت من صديقة عزيزة على قلبي سابقاً: “والله لازم ناخدها لعند طبيب ويفحصها لتكون ناقلة شي مرض خبيث”، إلا أنها تلقت رداً مناسباً من والدتي التي بثت فيَّ روح الحياة من جديد، وعندما واجهتُ تلك الصديقة بالقول إنه يجب أن تضع كل امرأة نفسها مكاني في المعتقل الذي كنت فيه، وفي نفس الظروف العصيبة التي عشتها أو ستعيشها أي امرأة ستدخل إليه، لم تجد مبرراً لكلماتها”.

وتضيف: “عاملني أهلي معاملة حسنة لن أنساها طيلة حياتي، فهم كانوا سندي في تلك الفترة الصعبة، لم يبعدوني عن أطفالي الثلاثة ولم يتركوني لحظة واحدة، فكانت كلماتهم وضحكاتهم تزيل كل الهموم عن قلبي، وكلما تذكرت أهوال المعتقل كانت أمي تقول لي إن الله لا يضيع حقاً لمظلوم، وأن ما جرى معي كان اختباراً من الله لصبري ومحبتي له”.

تعامُل عائلتها معها بهذه الطريقة بيّن للمجتمع المحيط بها حجم الظلم الذي كانت تعيشه، وضرورة مساعدة كل شخص يمر بما مرت به خديجة التي ختمت كلامها بالقول:
“لم يدم حالي وأنا بعيدة عن الناس المحيطين بي مدة طويلة، لأنهم سرعان ما عرفوا أن ما مررت به قد يتعرض له أي إنسان، أو بالأحرى أي امرأة، وأنه يجب عليهم مساندتي أو مساندة أي امرأة تتعرض للاعتقال والتعذيب”.

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments