الصفحة الرئيسية المدونة يُحكَى أنّ …

يُحكَى أنّ …

سعد الربيع*

يُحكى أنّ كل مَقال أو قصّة تبدأ بـ “يُحكى أنّ” تَجذبُ القرّاء، وتَستميلُ الجّمهور لقراءتها، ذلك لأن أسلوب السّرد والحكايات هو المُفضّل عند غالبيّة الجمهور. للأسف ليسَ هناك دراسة بريطانيّة تؤكد صحّة هذا القول، لكن على أي حال “يُحكى أنّ”.. وبمَا أن الفكرة غَير عِلميّة وشعبية بطبيعة الحال، فيُمكن تَحميل هذه الـ “يُحكَى أنّ” بعض الخيال و الشّطّح، والسّرد والقال و القيل، إذ تأتي الـ “القال و القيل” في المرتبة الثانية جَماهيرياً.. هذه لا تحتاج دراسات بريطانية لإثباتها..
يُحكَى أنّ مُعارضاً سورياً فذاً جداً، ومقداماً جداً، ويَرأسُ إحدى أهمّ الهيئات السياسيّة، قد أقدم على فعلٍ غايةٍ في الإنسانيّة، فَفي إحدى رَحلاتهِ المَكّوكيّة، في طائرةٍ تُركيّة، وعلى غفلّة من الجّميع، تلوّا أحدُ المُسافرينَ الأتراك مِنَ الألم، وكادَ قلبُه أن يَنفَجر، لولا أن بَطلُنا انطَلقَ كالسّهم، وأسعفَ المُسافِر وهو يَحتَضر، لأن هذا السياسيّ القَدير، قد كان طَبيباً خَبير، يُعالجُ القُلوبَ الحَزينَة، ويُواسي الجّراحَ المِسكينة، طَبيبٌ جرّاح، مَعجونٌ من الأحاسيس، في الطّبّ كما السّيَاسة، لا نِفاقَ ولا تَدليس، عُرفَ بِمَواقفِه المَشهورة، وأقوالهِ المَأثورة، وصُوَرهِ المَنشورَة .. لكنّه بَطلٌ في الظلّ لا يُحبّ الإشهَار، وَلو كَان أجنبياً لَمَنحوهُ الأوسكار، إلاّ أنّ شَعباً لا يُحبّه، ولا يُنزِلُه حَقّ قَدرِه، فَيتّهمونهُ بالنّفاق و العَمَالة، ويُثقلونَ عَليه بالسّخرية والتّسفيه، فقط لأنه سوريّ، وأنتم تُحبّون الأجَانب …!
يُحكى أنّ النظرة المستقبلية لهذا العالم، في السّينما والأدب وفي العِلم أحياناً، هيَ نَظرة ديستوبية، وعلى الأخصّ تِجاه الفن الكلاسيكي و الإرث والثقافي المَرسوم و المَكتوب .. غالباً ما يَكون مَصيرُ هذا الشقّ من الحَضارةِ الإنسانيّة في السينما مثلاً، إمّا حَطباً للتدفئة أو حِيازة لجَاهِل .. وربّما أدركت بَعضُ كُبريات المتاحِف العالمية هذا بطرقَةٍ ما، فَخفّضت ميزانيّاتها المُنفقة على اقتناء الفنون كما فَعل مُتحف نيويورك. إلا أن بَعض الدول العربية التي تَتفجر آبار نفظها بالأرُز، تُنفق مَا مقدارهُ ميزانيّة عشرة دول افريقيّة على بِضع لوحاتٍ كلاسيكيّة، لتُخصّص لها مَتاحفَ وسط الصّحراء، فتُصبح دولاً ذات إرثٍ حَضاري، وقد نَسوا أن قطف التّفاح لا يَجعلكَ عارفاً بالبَستنة .. وهذا ما يُعرف بسباق التسلّح الثقافي .!
يُحكى أنّ شعباً ثارَ من أجل الحُريّة، فاعتلا أكتافه بِضعُ بَهاليل قالوا عن أنفسهم نُخباً سياسيّة ودينيّة، فرَفَعهم هذا الشعب المَنكوب ليكونوا مُعارضة وطنية، إلا أن رَئيسهم كلّما أطلّ حدّثهم بالتركية ! ومفاوضهم يتلقى راتباً من احدى أجهزَة المُخابرات الخليجيّة، وخبراؤهم القانونيين مُتهمين هُنا وهُناك، وحكومَتُهم لا تَحكم بأحد، ومُسلحيهم لا ينتمون لهُم، وشَيخَهُم يُحبُّ الكُفّار، وكافِرهُم ينامُ بِحضن المُتشددين، يَسارُهم يَرقص على ضِفاف أقصى اليَمين، ويَمينهم مَحنُوث. وكُلّما استقالَ منهُم نَفراً قال لهم: إنّي بَريءٌ مِنكُم إنّي أخافُ الله ربّ العالمين .. يُحكى أن شعباً خَرجَ من أجل الحَياة، فَذاقَ كُل أنواع المَوت على الطريق …
يُحكى أن حَرباً اقتصاديّة كبيرة بَدأتها الولاياتُ المُتحدة برأسها الأشقر، ضد الصّين مُتعدّدة الرّؤوس، وكما يَبدو أن كُبريَات الشركات الما-بَعد حَداثيّة تَتقاتلُ بأسلِحَة غَير الأسلحَة التقليديّة، وهَي العُقوباتُ الاقتصاديّة المُتبادلة، حَيث يَضربُ ترمب حُزمَة مِن العُقوبات على شَركاتٍ صينيّة، فتردّ الأخيرَة بحُزمَة أكثر حَزماً من العقوبات، حتى بَات صيتُ المَعركَة الاقتصاديّة التقنيّة بين جَبابرة التكنلوجيا في العالم، أشبه بصراع العروش، الفائز فيه يتربّع على عرش شبكات الاتصالات العالمي. ويُحكى أنّ اقتصاد العَالم مُهدّد ببعض الهزاتِ مَالم يُوضع حَل لمُراهقة السياسيين المُتدافعين كمَجموعة من الدّلالين في سوق المَاشية .. و يُحكى أنّ شعوبَنا العربيَة تتفرج على هذه المَعركة وتقول سَبحان الله .. فليس لها في سوق “الدّواب” هذا لا ناقة ولا جمل ..!
يُحكى أنّ صحفياً وشاعراً ومَسرحياً وثائراً ضد الفساد و الإمبريالية الحقيرة، يفتخر بأنه يعمل لدى وسيلة اعلامية “نيو امبرالية”، فهذا لا يتعارض مع ذلك ويحقّ للشاعر ما لا يَحقّ لغيره !. ويُحكى أن مُعارضاُ ابن مُعارضاُ قد صار مُعارضاً، فقط لأنه يَحملُ اسم جدّه، وهذا هو الحال في عائلَةِ رئيسٍ طواه الدّهرُ في صَفحات التاريخ القريب، فَصِرنا مُلزمون بأجيالٍ من المُعارضين السياسيين بالضرورة، كلّما وهبَ الله لهذه العَائلة حِساباً جديداً على تويتر ..!
يَقولُ بَعضُ الفُقهاء، أن استخدامَ تَعبير “يُروى أنّ” تُستعملُ فقط في روايَة النّصوص المُقدّسة مثل: الحديث النبوي، الشعر، و الأنساب. أمّا مَا دون ذلك، فَيجب استعمال تعبير “يُحكَى أنّ”، وها نَحنُ نَخوض في ما دون المُقدّس في عُرف العَرب، فنسوق النّقدَ لا تَردَعُنا سوى ذِمَمُنا، ولربّما جَاء يومٌ يَقول فيه قائلٌ عن هذا المَقال: يُروى أنّ الكاتب فلان قال كَيتَ وكَيت .. فنكونُ وإيّاكم من المُقدّسات في شيءِ مَا، أمّا اليوم، نَحكي لكم مَا يُحكى أنّ ..

*صحفي سوري