في الوقت الذي يتمسك السوريون ببقايا أمل واهم من قوانين منظومة ومحنطة في أدراج الأمم المتحدة تتحدث عن حق الانسان في الحياة، ودور الأمم المتحدة في حماية المدنيين، ويوجهون لها النداء تلو الآخر، كغريق يتعلق بثوب من يغرقه، وليس بقشة تنقذه، تدير هذه المنظمة الدوليةظهرها لمسؤولياتها، وتتابع في اجترار تصريحات لا تقوى على الخروج من بين جدران قاعاتها، لتحط رحالها بعيداً عن مسامع الدول التي تجلس على كراسي هذه المنظمة الأممية محصنة بسلاح الفيتو، او حتى من غيره. وتمارس هذه الدول الأعضاء (روسيا، إيران) وحلفاؤهما من مدعي صداقة الشعب السوري، كل عملياتها الإرهابية ضد السوريين تحت عين الكاميرا، وفي بث مباشر لاقتلاع آخر مبررات وجود القوانيين الدولية في الحياة البشرية، وتعلن عودة قانون الغاب عبر حربها التي تستبيح فيها البشر والحجر في الشمال السوري، المتنازع على احتلاله بين قوى استبداديةباسم السلطة ودول متحالفة معها، وبين قوى متطرفة زرعت وسط السوريين واستخدمت كأدوات لنزع شرعية ثورة الحرية في سوريا.
لم تكن الحرب على إدلب منذ بدء عمليات التهجير الطائفية والقسرية الممنهجة إليها بعيدة عن توقعات السوريين، لكن ما فاق قدرتهم وصبرهم اليوم هو الشراكة المريبة، بين من يحتمون به كبلد تمثل مصالح “قيادات المعارضة السورية” أو العكس هو الصحيح أي “المعارضة هي التي تمثل مصالح تركيا”، وبين روسيا وإيران اللتين تصبا جام إرهابهما المنظم ضد السوريين في حرب من طرفهما ضد شعب أعزل، بحجة محاربة النصرة التي تدعمها ذات الجهات التي تدعي أن حربها ضدها، بينما يتساقط المدنيون من كل حدب وصوب، ضحايا لحرب ينجو منها الأطراف التي تدعي روسيا وإيران أن الحرب ضدهم بينما يغرق بنارها السوريون من المدنيين أطفالاً نساءً وشيوخاً.
تستخدم روسيا الدم المراق في إدلب لإعادة رسم خريطة التفاهمات الدولية سواء كمحاور أو ثنائيات، فحيث يدفع أهالي إدلب اليوم ثمن التقاربات التركية مع الولايات المتحدة الأميركية، لإعادة تموضعات القوة في منطقة الشمال، لوضعها على طاولة تقسيم المصالح النهائية في جنيف، فالسوريون أيضاً دفعوا ويدفعون ثمن المسارات التي انتهجتها روسيا بالتعاون مع إيران وتركيا، في تفاهمات آستانا وسوتشي اللتين عطلتا مسار جنيف، وأحالته إلى كرسي الاحتياط، رغم كل التنازلات المقدمة من الوفود المسيرة والمتعاقبة، والقبول بتقزيم الحل السياسي إلى لجنة دستورية، معيار تعيين كثير من أعضائها المفروضين دولياً على السوريين: “الأمية” إما أكاديمياً أو وطنياً، وهو ما جعل وجود عدد من الأسماء المؤهلة -علمياً أو سورياً- سبباً في إعاقة تشكيلها إلى أن يتم استبعادهم.
ووفقاً لعمليات الكر والفر في المعارك، يأتي طلب الرئيس التركي طيب رجب أردوغان من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ضرورة منع وقوع المزيد من الضحايا جراء هجمات النظام السوري، التي تستهدف في غالبيتها المدنيين جنوبي إدلب -حسب بيان دائرة الاتصال في الرئاسة التركية-، ما يعني أن تركيا تمنح روسيا صك براءة من الدم السوري في إدلب وحماه وريف حلب، وعلى السوريين أن يتجاهلوا أن الطائرات التي أخذت خلال كامل شهر رمضان من سماء الشمال مكاناً لأعمال القصف، هي من سلاح الجو الروسي، الذي يحظر مواجهتهم بقرار متفق عليه بين كل الدول الراعية لمصالحها في سوريا، أي أن روسيا تستكمل سياستها في حرق الأرض السورية، في متابعة لما بدأته منذ إعلان تدخلها العسكري في سوريا عام 2015.
وهنا لا يمكن انكار دور جبهة تحرير الشام “النصرة سابقاً” في تعجيل قرار حرب الإبادة، التي أعلنها النظام بغطاء روسي جوي، وإيراني أرضي على منطقة الشمال، بعد أن استحضرت “النصرة” نشاطها العسكري وروجته إعلاميا، وأعلنت هزيمة الفصائل المحلية التي قاومتها -دون أي دعمتركي لها- ما أدى إلى صبغ المنطقة وتبعيتها “زوراً” إلى الفصيل الإرهابي، الذي مارس ارهابه على السوريين عموماً، وأهالي مناطق سيطرته خاصة، ما يعني فشل التعهدات التركية لروسيا في تحجيم وتسوير مساحة حركة النصرة حسب اتفاقات القمة البينية بين الطرفين في سوتشي 17 أيلول /سبتمبر 2018).
ولكن في ذات الوقت فإن الأسئلة كثيرة التي تفتحها مسوغات المعركة التي تم إعدادها من خبرات دولية، وفي مهل زمنية “مريبة”، جرى خلالها تأجيل أي فرصة حل سوري تفاوضي، وتمكين هذا التنظيم من إعادة ترتيب مواقعه الميدانية، وتسليحه بما يحقق له التفوق على الفصائل المحلية، كما فتحت أمامه خزائن ومستودعات فصائل دخلت ضمن اتفاقيات آستانة تحت غطاء معارك وهمية، أدت إلى انسحابات من المنطقة وتسليمها للنصرة، وهو ما سوغ لروسيا الاستثمار في وجود الإرهاب، لجمع التأييد -حتى ولو كان ضمنياً وصامتاً- لمجازرها في إدلب، والمنطقة عموماُ. إن السؤال الأهم الذي تجيب عنه هذه المعركة الشرسة التي يقودها حلفاء آستانة، هو ان النصرة تنتقل في أدوارها من أداة لترويج الحرب إلى أداة في تطويع الدول وتغيير اتفاقاتها وربما أيضاً حدودها.
قمة الأسف أن يفقد السوريون أملهم في المساندة العربية لهم، بينما تنعقد القمة العربية لتستنهض الجهود للحرب مع إيران بالكلام والبيانات، وتتجاهل ما يحدث في سوريا من مجازر، بل وتؤكد على نصر المجتمعين على محاولات إيران “الفاشلة” في تقويض الأمن العربي الذي واجهته دول القمة، وحافظت عليه في مأمن من خطر إيران، وكأن ما يحدث في سوريا ليس جزءاً من هذا الأمن العربي المحافظ عليه وهمياً، وبينما تتغلغل مخاطر إيران إلى كل بيت عربي -حيث لا تنفع بعد ذلك حروب التويتر التي يشنها ترامب على إيران- أيضاً يطبق ترامب يده على جيوب الخليج وثرواته، ويرسم من خلال ذلك خريطة إسرائيل الجديدة وضمنها توقيعه على ضم الجولان السوري وربما أكثر يا قمة الأسف.
*كاتبة سورية