ربا الحمود*

يصور الكثيرون السوريين على أنهم يعانون الكثير، ويتم تسليط الضوء فقط على حالات فردية، الطالب فلان حصل على علامة عالية في صفه، الطالبة فلانة استطاعت إنجاز بحث ما، وآخر استطاع الحصول على نتيجة عالية في السباحة مثلاً. كأن السوريين كائنات غريبة من المريخ جاءت لتعيش على سطح الكرة الأرضية، وحققت إنجازات خرافية عليها..

لكن يمكن النظر إلى ذلك من زاوية أخرى، وهي “الاندماج” وسعي السوري نحو إيجاد الحياة مجدداً. وبعيداً عن نجاح السوريين في إيجاد سبل للحياة والإبتكار، ثمة مشاريع تستحق الالتفات والانتباه إليها، مشاريعٌ لنساء سوريات بدأن من الصفر واستطعن الوصول إلى مستويات يُعتبر بعضها مقبولاً بالنسبة إلى نساء لم يمض على وجودهن في فرنسا عامان، وبعضهن حققن نجاحاً يضاهي حتى الفرنسيين.

ليلى العلبي، سورية حاصلة على شهادة الأدب الفرنسي من جامعة دمشق، مضى على وجودها في فرنسا عام ونصف، وهي لم تنتظر إعانات الدولة الفرنسية لتعيش عليها حد الكفاف، بل لم يمض على وجودها في مدينة كاين عدة أشهر حتى بدأت التفكير في كيفية إيجاد عمل لها ولزوجها.

بدأت مشوارها بالتسجيل في غرفة التجارة، ومن ثم عملت على فهم طبيعة السوق الفرنسي الذي يفتقر إلى البضاعة الشرقية، وتبين لها أن البضاعة السورية غائبة تماماً عن هذا السوق، وأن الفرنسي عموماً يهتم بالشراء عبر الإنترنت لأنه يمتلك مساحة أكبر للعرض. قامت بإنشاء موقعها الخاص لتعرض ما ترغب باستيراده من سوريا، ثم بدأت، وبشكل قانوني، تستورد كل الشرقيات السورية من العلب الصدفية إلى النحاسيات والملابس الخاصة بالزي السوري.

تقول العلبي في حديثها إلى “بوابة سوريا”: “كل شيء يبدأ كحلم ثم يصبح فكرة تكبر لتصير واقعاً، يمر الإنسان بلحظات خوف وضعف وقلق وتوتر ثم يسمع كلمة دعم ممن حوله تساعده ليعودة أكثر قوة، وهو ما سيُنسيه تعبه ويجد نتائجه لاحقاً، وقد ساعدني إتقاني اللهجة الفرنسية، فلم أجد صعوبة في التواصل منذ وصلت”.

من جانبها تقول “خولة” وهي سورية حاصلة على شهادة الهندسة الزراعية من جامعة حلب: “لم أجد أي فورماسيون يخص شهادتي في الزراعة، بدأت عملي في تصنيع الحلويات السورية، وقد شكل موضوع البحث عن عمل تحدياً شخصياً بالنسبة لي، وبحكم دراستي ومعرفتي سابقاً بكيفية صناعة الجبنة السورية، رغبت أن أبدأ بطريقة صحيحة، فاستخرجت تصريحين أحدهما لصناعة الحلويات السورية والآخر للجبنة، وما إن أعلنت عن عملي حتى بدأت الطلبات تأتيني من خارج المدينة، فاضطررت لشراء سيارة لكنني توقفت لفترة لأن العمل ضمن مطبخ المنزل بات مرهقاً، ثم قررت توسيع عملي، لكن ما فاجئني أنني حوربت وتمت سرقة عملي وطريقتي في العمل من قبل مجموعة من السوريين، ووصل الأمر بهم حد سرقة صور عملي من صفحتي الشخصية، وسرقة إيميلي الذي كنت أتلقى عليه الطلبات”.

وتتابع: ” اعتبرت ما حصل درساً لي حتى لا أقع في نفس الخطأ، مايزعج في الأمر هو صعوبة أن تثق بأحد بسهولة مستقبلاً. مجدداً، قمت بتصريح عمل شركة ولن أتوقف، وشعرت بالفخر أن أغلب طلبات الجبنة هي من فرنسيين، لأن الجبنة السورية تجد سوقاً لها ضمن بلد يعرف أنه يضم أكثر من خمسة آلاف نوع من الجبنة. بدأت بتحضير معمل خاص للجبنة بشكل أساسي، وسأعلن عنه قريباً فور بداية بالإنتاج، وسأهتم بتصنيع الحلويات السورية محلياً، فأغلب الحلويات السورية الموجودة في فرنسا هي مستوردة وتحتوي على المواد الحافظة، لذلك أسعى لتصنيع الحلوى الطبيعية”.

أيضاً، كانت شام الحلبي إحدى السيدات اللواتي تكللت تجربتهنّ بالنجاح. بدأت عملها عبر إنشاء مجموعة صغيرة على “فايسبوك” تستورد من خلالها الألبسة التركية، وقامت بتوسيع مكان العرض نتيجة الإقبال والطلب على الألبسة ولم تعد تقتصر على العرض على الإنترنت، وهي الآن بصدد استخراج تصريح وموافقة تسمح لها بعرض بضاعتها ضمن الموقع التجاري الشهير Cdiscound، بالإضافة إلى موقع خاص هي بصدد تصميمه.

تقول “الحلبي” لـ “بوابة سوريا”: “التراخيص في فرنسا صعبة والقوانين متعبة، والضرائب عالية جداً، لكن العمل يجعلك تشعر بأنك شخص منتج ولديك كيانك الخاص”.

ريم (من سكان مخيم اليرموك) عانت في العمل بسبب ارتدائها الحجاب، وكان لديها محلها الخاص للشعر والماكياج، فقررت العمل ضمن منزلها. “قمت باستخراج تصريح لعمل الشعر والماكياج بعد اتباع الدورات المطلوبة (الفورماسيون)، وأعمل في هذا المجال سواء في منازل السيدات أـو في منزلي”.

مشاريع كثيرة يضيق المجال للحديث عنها كلها. نساء التمسنَ أبواباً للعمل ووجدن السبل لتحقيق كيانهن وطموحاتهن، في بلاد تؤمّن كل مايساعد الفرد لينهض بنفسه. النجاح المهني لهؤلاء السيدات ينبثق من كون مشاريعهنّ مشاريع خاصة تعتمد على القدرة الذهنية والثقة والتحدي، بعكس البحث عن عمل ضمن ساعات محدودة.

في المقابل تقف نساء كثيرات حائرات أمام التغير الكبير في الحياة والمصير، يحاولن التقدم ولو خطوة، لكن الخوف المتكدس منذ أعوام يمنع بصيص الشجاعة من الظهور..