الصفحة الرئيسية رأي وتحليل من تصعيد إيران في العراق إلى بدء تحجيمها في سوريا

من تصعيد إيران في العراق إلى بدء تحجيمها في سوريا

ماجد كيالي*

بات كل شيء في المشرق العربي يتعلق بمدى النفوذ الإيراني فيه، من العراق إلى سوريا وصولا إلى لبنان، وحتى أن مستقبل الترتيبات الأمريكية في تلك المنطقة بات يتوقف على كيفية تعاطي إيران معه، أو كيفية تعاطي القوى الأخرى معها.
ولعل هذه الوضعية القلقة تثير التساؤلات عن العوامل أو المعطيات التي أوصلت إيران إلى هذه الدرجة من القوة، إذ إن ذلك لا يتأتى من قوتها العسكرية، فحسب، إذ أنها أخفقت في حربها مع العراق (1980ـ1988)، ولا من قوتها الاقتصادية، إذ ثمة دول إسلامية، كتركيا وماليزيا وإندونيسيا، أكفأ وأفضل منها، كما ولا يمكن إحالة الأمر إلى نموذجها في الحكم، إذ هي دولة دينية، وطائفية، منذ قيامها (1979). أيضا لا يمكن تفسير ذلك بتغطّيها بالقضية الفلسطينية، لأن أثر هذه المسألة ظل محدوداً، ويغلب عليه التوظيف الدعوي، من دون التقليل من مقاومة “حزب الله” في لبنان، إذ هذا البلد صغير بحجمه وتأثيراته، والتأثير فيه لا يتعدى حدوده، أما تفسير ذلك بوجود طائفة دينية ـ مذهبية تتبع لها، أو تتماهى معها، في هذه الدولة أو تلك، فهو تفسير قاصر لأن هذه الطائفة لا تستطيع لوحدها تغيير المعادلات السياسية القائمة في بلدانها.
على ذلك ثمة مجموعة أسباب أسهمت في صعود نفوذ جمهورية إيران الإسلامية في المشرق العربي، منها، أولاً، توفّر إرادة سياسية إيرانية بتصدير الثورة. ثانياً، وجود قاعدة اجتماعية ـ مذهبية في البلدان المجاورة، لديها شعور بـ “المظلومية”، لاسيما في العراق ولبنان. ثالثاً، امتلاك إيران ثروة مالية ـ متأتية من ثروتها النفطية، تمكّنها من الصرف على الجماعات الميلشياوية والمدنية والخدمية التي تتبع لها في هذا البلد أو ذاك. رابعاً، التوظيف في القضية الفلسطينية، والصراع ضد إسرائيل، في ظل انحسار الاهتمام الرسمي العربي. خامساً، الاستثمار في صعود في الإسلام السياسي الصاعد في تلك المرحلة بعد أفول التيارات اليسارية والقومية.
بيد أن كل هذه العوامل مجرّد أمور مهدت أو سهّلت للجمهورية الإسلامية في إيران التغلغل في البلدان المجاورة، أما العامل الرئيس الذي مكّنها من ذلك فهو قيام الولايات المتحدة الأمريكية بغزو العراق، واحتلاله (2003)، والذي تم بالتوافق مع حكام طهران (مثلما حصل في الغزو الأمريكي لأفغانستان 2002). أي أن سقوط الدولة العراقية، واحتلال البلد، هما اللذان شكّلا المنصّة التي صعّدت نفوذ إيران في المنطقة، والتي مكّنت الميلشيات المذهبية التابعة لها من أخذ السلطة في العراق، وحتى الآن؛ هذا أولاً. ثانياً، وتأسيساً على هيمنتها في العراق فقد عملت إيران على تعزيز نفوذها في لبنان، ثم في سوريا، مستغلة ظروف هذين البلدين. ثالثاً، بناء على النقطتين السابقتين يمكننا أن ندرك أن إيران تتصرّف من واقع معرفتها بأن خسارتها لأي من المواقع المذكورة، سيما في العراق أو سوريا، سيفضي حتماً إلى خسارتها نفوذها المنطقة، وتالياً إعادتها إلى حجمها الطبيعي، أو إلى خلف حدودها.
السؤال الآن، لماذا سهّلت أو سمحت الولايات المتحدة (ومعها إسرائيل طبعاً) لإيران بتعزيز نفوذها في المنطقة، أي في العراق ولبنان وسوريا؟ أو لماذا سكتت عن ذلك، طوال الفترة الماضية؟
طبعاً، ليس القصد تفسير ما جرى بعقلية المؤامرة أي بتوافق أمريكي ـ إيراني، ولا بعقلية التبعية، أي تبعية طهران لواشنطن، وإنما يمكن تفسيره وفق عقلية التشابكات والتقاطعات والمصالح السياسية الاستراتيجية. وقد شهدنا أن الولايات المتحدة قدمت العراق لقمة سائغة لإيران عبر القوى العراقية المرتبطة بها، وأنها تساهلت مع برنامجها النووي، ثم هي فوق هذين سكتت عن تدخلها المباشر في سوريا، رغم معرفتها بادعاءاتها عن مناهضة أمريكا (“الشيطان الأكبر”) ومقاومة إسرائيل، ما يستنتج منه أن ثمة عوائد أمريكية وتالياً إسرائيلية أهم وأكبر وأعمق تأثيراً، من ضرر تلك الادعاءات أو تلك المقاومة.
وقد ثبت في ميدان التجربة، وليس فقط بالتحليل السياسي، أن ذلك السماح الأمريكي والإسرائيلي كانت غايته تحديداً استدراج إيران للتورط والاستنزاف في البلدان المذكورة، وتاليا توظيف هذا التورط في تقويض البنى الدولتية والمجتمعية لبلدان المشرق العربي، الأمر الذي قدم خدمة كبيرة لإسرائيل. ففي المحصلة فقد أدت السياسات التي انتهجتها إيران في المنطقة إلى إثارة النعرة الطائفية المذهبية، وشق وحدة مجتمعات المشرق العربي، بين “شيعة “و”سنة”، وإضعافها، وزعزعة استقرار دولها، الأمر الذي لم تستطعه إسرائيل، منذ قيامها.
في المحصلة فإن الولايات المتحدة نجحت، عبر الاستراتيجية التي انتهجتها في عهد أوباما، في تحقيق مكاسب كبيرة لها من دون أن تخسر جندياً، ولا فلسا واحـدا، إذ تمكّنت من استدراج أو توريط القوى المناكفة لها في المنطقة، وتحديدا روسيا وإيران وتركيا، في الصراع السـوري، بل ووضعتهم في مـواجهة بعضهم بعضا.
ما يحدث الآن أن المعطيات تغيرت، وتالياً لذلك فثمة تغيّرات في الاستراتيجية الأميركية إزاء المنطقة، بحسب ما بات يتكرر في تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وأركان إدارته، أما محاور هذه الاستراتيجية فتتمثل في الآتي: أولاً، مواجهة جماعات الإرهاب، وخاصة تنظيم داعش في سوريا والعراق؛ علماً أن ثمة في إدارة ترامب من يربط بين شبكات الإرهاب وإيران. ثانياً، تحجيم نفوذ إيران في المشرق العربي من العراق إلى لبنان مرورا بسوريا. ثالثا، فك الارتباط بالصراع ضد إسرائيل وإيجاد مناخات أو ترتيبات جديدة في المنطقة، تتأسس على السلام الاقتصادي، وفك الارتباط بالقضية الفلسطينية.
هذه الاستراتيجية تفيد بأن مرحلة السماح الأمريكي (وضمنه الإسرائيلي) لتمدد في إيران في المنطقة قد انتهت، أو حققت أهدافها أمريكياً وإسرائيلياً، على الأرجح،
هذه الرؤية الأمريكية لتوظيف الدور الإيراني في المنطقة تنطبق على إسرائيل، أيضاً، أي أن الطرفين الأمريكي والإسرائيلي يريان اليوم بأن على إيران أن تعود إلى حجمها الطبيعي خلف حدودها، ولعل الصراع الدائر في الشرق الأوسط اليوم يدور حول ذلك، لذا وتبعا للتداعيات الناجمة عن هذا الأمر سيتم تحديد مستقبل الشرق الأوسط، ومستقبل الترتيبات الأمريكية فيه، سواء تحت اسم صفقة القرن أو أي اسم آخر.

كاتب فلسيطيني*