نجاح عبدالله سليمان*

ظاهرة اللجوء تعتبر قديمة قدم المجتمع البشري، فقد حفل التاريخ الإنساني عبر عصوره بصور مختلفة للجوء، وقد فرضت قضية اللاجئين نفسها كواحدة من أبرز قضايا القانون الدولي المعاصر، والواقع أن مشكلة اللجوء قد ظلت لفترات طويلة مجرد قضية إقليمية لا تشغل المجتمع الدولي حتى تم تأسيس عصبة الأمم التي بذلت جهد كبير من أجل وضع أسس وقواعد قانونية للتعامل مع المشكلة، ووضع الترتيبات الضرورية لمواجهة حالات اللجوء التي خلقتها الحرب العالمية الأولى وكذلك تأسيس مكتب المندوب السامي لشؤون اللاجئين حيث تم التوصل من خلاله إلى وضع اتفاقيات دولية تتناول مجموعات محددة من اللاجئين.
لقد كانت مشكلة اللجوء منذ القدم من أعقد القضايا التي تواجه العالم بكافة دوله ومنظماته وتركيباته، وقد زادت معاناة اللاجئين وارتفعت حدة تلك المشكلة في الوقت الحالي عن أي وقت مضى نظراً لما يمر به العالم المعاصر أوضاع سياسية مضطربة نتيجة قيام حروب عديدة في معظم ربوع العالم، مما نتج عنه لجوء أعداد هائلة من البشر سواء نساء أو أطفال أو عجائز للبحث عن مكان وملاذ أمن لهم ويعد اللجوء أحد صور حقوق الإنسان.
بإمكاننا القول بأن للظرف التاريخي لعب دورًا كاشفًا عن تلك القضية فقد أدت الحرب العالمية الثانية إلى وجود سيل من اللاجئين والنازحين وبالتالى طغت الحاجة إلى ضرورة وجود حل دولي لمعالجة قضية اللاجئين، حيث أن الموقف الذي ساد أوروبا على وجه الخصوص خلال الحربين العالميتين وما نشأ عنهما من تحركات واسعة للسكان من أوطانهم أدي إلى قبول عام بأن أوضاع ومعاملة اللاجئين باتت مسئولية دولية، وقد توجت الجهود الدولية في تلك المرحلة بالموافقة على اتفاقية الأمم المتحدة بشأن وضع اللاجئين عام 1951 ثم ألحق بها فيما بعد بروتوكول عام 1967. وهناك العديد من الوثائق الدولية التي تحدد من هم اللاجئون في حكم تطبيقها، كما تحدد الحدود الدنيا للمستويات الأساسية لمعاملة اللاجئين ومن أهم تلك الوثائق على المستوى الدولي، اتفاقية الأمم المتحدة لسنة 1951 بشأن مركز اللاجئين، والبروتوكول الذي ألحق بها سنة 1967 في ذات الخصوص.
تقدم اتفاقية 1951 في مادتها الأولى تحديداً لمصطلح اللاجئ ” Refugee”، حيث تقرر أنه ينطبق على “أي شخص يوجد نتيجة لأحداث وقعت قبل الأول من كانون الثاني/ يناير سنة 1951 وبسبب تخوف له ما يبرره من التعرض لاضطهاده لأسباب ترجع إلى عرقه أو دينه أو جنسيته أو انتمائه لعضوية فئة اجتماعية معينة أو آرائه السياسية خارج دولة جنسيته وغير قادر أو لا يريد بسبب ذلك التخوف أن يستظل بحماية دولته، أو كل شخص لا يتمتع بجنسية ويوجد خارج دولة إقامته المعتادة بسبب تلك الظروف ولا يستطيع أو غير راغب بسبب هذا التخوف أن يعود إلى تلك الدولة”، وتضع الاتفاقية الحد الأدنى لمعاملة اللاجئين، بما في ذلك الحقوق الأساسية التي يستحقونها، كما تحدد كذلك المركز القانوني لهم، وتنطوي على أحكام بشأن حقوقهم في الحصول على عمل ذي عائد، وعلى رعاية فيما يتعلق بحصولهم على بطاقات هوية شخصية ووثائق سفر، وأن تكون لهم معاملاتهم وحقهم في تحويل أموالهم إلى الدولة الأخرى التي قبلتهم لأغراض إعادة استقرارهم.
نعم تعتبر اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1951 أهم وثيقة دولية أبرمت لصالح اللاجئين فهي تعتبر الوثيقة الدولية الأم فيما يتعلق بالمركز القانوني للاجئين، كما أعطت تعريفًا للاجئ ووضعت نظاماً قانونيًا لحمايته حيث أوردت تلك الاتفاقية تعريف اللاجئ بأنه” شخص يوجد خارج بلد جنسيته، بسبب خوف له ما يبرره، من التعرض للاضطهاد بسبب العنصر أو الدين أو القومية، أو الانتماء إلى طائفة اجتماعية معينه، أو إلى رأي سياسي، ولا يستطيع بسبب ذلك الخوف أو لا يريد أن يستظل بحماية ذلك البلد أو العودة إليه بسبب ذلك الاضطهاد”.
بعد أن أحاطت اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين تعريف اللاجئين بالقيود السابقة، ترتب على ذلك وجود تفرقة تعسفية بين نوعين من اللاجئين، أحدهما: اللاجئون قبل 1 كانون الثاني/ يناير 1951 وفي نطاق أوروبا، وثانيهما: اللاجئون بعد 1 كانون الأول/ يناير1951 داخل أو خارج نطاق أوروبا، وهم موجودون في نفس ظروف النوع الأول وربما أشد. وأمام هذا، ظهرت الحاجة الملحة إلى إلغاء قيد الزمان والمكان، فحرصت الأمم المتحدة على التوصل إلى وثيقة أخرى تعالج هذا الوضع، وكان ذلك ممثلاً في البروتوكول الخاص باللاجئين لعام 1967، وتم فيه بالفعل هذين القيدين، وباعتماد هذا البروتوكول، يكون القانون الدولي للاجئين قد سجل تقدماً ملحوظاً في تعريف اللاجئين، وبذلك يكون البروتوكول قد اعتمد التعريف الوارد في اتفاقية 1951، متحرراً من القيد المكاني، حيث لم يربط هؤلاء اللاجئين بأوروبا أو غيرها، وكذلك من القيد الزماني أيضاً، حيث ركز على حذف عبارة “نتيجة أحداث وقعت قبل أول كانون الثاني/ يناير 1951”.
علي الرغم من أن بروتوكول عام 1967 أجهز صراحة على القيد الزماني والمكاني في تعريف اللاجئين، إلا أنه أبقى على السبب الوحيد للجوء وهو الاضطهاد بسبب الدين أو الجنس أو غير ذلك، لكن الممارسة العملية التي تقوم بها المفوضية العليا لشئون اللاجئين قد أشارت إلى ضرورة توسيع مفهوم اللاجئين، وتمديد الحماية الدولية لبعض الأشخاص الذين تتوافر لهم أسباب للجوء مشابهة لسبب الاضطهاد من أجل الدين أو الجنس أو غير ذلك. وبناء على بعض قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة والمجلس الاقتصادي والاجتماعي واللجنة التنفيذية للمفوضية العليا، قررت تمديد الحماية إلى: “الأشخاص المجبرين على البحث عن الملجأ خارج بلادهم الأصلية، أو بلد الجنسية، بسبب العدوان الخارجي، أو الاحتلال أو السيطرة الأجنبية أو الأحداث التي تضع النظام العام في خطر، في كل أو بعض هذه البلاد”.
بناء على ذلك، فإن المفوضية العليا لشئون اللاجئين قد أضافت توسعًا جديدًا بخصوص سبب اللجوء، حيث لم تقصر اللجوء فقط على سبب الاضطهاد، وإنما أضافت فئة أخرى، هي فئة الأشخاص الذين يفرون من بلادهم بسبب النزاع المسلح، والممثل في عدوان خارجي، أو احتلال أو سيطرة أجنبية أو أحداث واضطرابات تضع النظام العام للبلد -كله أو بعضه- في خطر.
لا شك في أن اللاجيء هو الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية، التي تنشأ كنتيجة للاعتراف له بالحق في طلب اللجوء وفي التمتع بهذا الحق فعلاً، وبالذات إذا ما قورنت حالته بحالتي دولة الملجأ ودولة الجنسية أو دولة الإقامة المعتادة، كما أن ما يترتب على هذه العلاقة التعاقدية من آثار قانونية بالنسبة إلى أطرافها المختلفة- ومنهم اللاجيء نفسه- لا ينصرف فقط إلى الحقوق التي تنشئها هذه العلاقة لهذا الطرف أو ذاك، وإنما ينصرف أيضاً إلى الالتزامات التي تترتب عليها. وتتمثل أهم الآثار المتعلقة، بجانب الحقوق التي تثبت للاجيء، فور الاعتراف له بالحق في طلب اللجوء، طبقاً لأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1951.

كاتبة وإعلامية مصرية*