(إلى روح الساروت وشهداء الحرية في سوريا وفلسطين والسودان وكل مكان)

ماجد كيالي*

عن أغنية “جنَّة جنَّة جنَّة سوريا يا وطنَّا” التي اشتهر الساروت بغنائها في مظاهرات حمص، في البياضة والخالدية وبابا عمرو، منذ مطلع الثورة السورية، كتب ساري عرابي (فلسطين ـ رام الله):”لا أعرف أصل أغنية “جنّة جنّة.. والله يا وطنّا.. كنت أظنّها وأنا صغير من أغاني الثورة الفلسطينية.. ثمّ سمعتها بأصوات العراقيين، فقلت لعلها عراقية، فاللهجة محايدة وقريبة من بعض البيئات الشامية والعراقية.. لكن لمّا غنّاها عبد الباسط ساروت، قلتُ هي أغنية عبد الباسط.. به صارت أغنيتنا كلّنا.. في بحّة صوته وجدنا أنفسنا.. وتنفسنا وجعنا الواحد.. ونبضت قلوبنا دمنا الواحد…رحم الله عبد الباسط الساروت.”
هكذا أكمل عبد الباسط برحيله دائرته الملحمية، كاتبا أسطورته، من دون تقصّد، أو ضجيج، ومن دون ادعاء من أي نوع، أيدلوجي أو هوياتي أو حزبي، كرجل عادي، مثله في ذلك كأغلبية السوريين، الذين رأوا ذات يوم أنه لا بد لهم من الخروج إلى الشوارع، لكسر الخوف المزمن في قلوبهم، والتعبير عن توقهم للحرية، في تحد لسلطة تمتلك أعتى وأفظع الأجهزة الأمنية، في دولة شعارها: “سورية الأسد إلى الأبد”، كدلالة على سلالة حاكمة، بات لها في الحكم قرابة نصف قرن.
لم يقيض للثورة السورية، التي عرفت بأنها الثورة المستحيلة واليتيمة والأكثر تعقيدا وكلفة وصعوبة بين مجمل ثورات الربيع العربي، حركة سياسية تقودها، أو طبقة سياسية تدير أحوالها، لكن قيض لها مجموعة كبيرة من الرموز، والأحداث الملحمية، كمظاهرة الحريقة، وحادثة أطفال درعا، واعتصام ساحة الساعة في حمص، واعتصام ساحة النواعير في حماه، ومظاهرات داريا وبرزة والقابون والغوطة والزبداني، وشخصيات مثل رزان زيتونة ومي سكاف وفدوى سليمان وغياث مطر وباسل شحادة وأبو فرات وعبد القادر صالح وناجي الجرف ورائد الفارس وحمود جنيد (كفر نبل) وغيرهم كثر.
البعد الملحمي في شخصية الساروت نبعت بخاصة من كونه شخصا بسيطا، وعاديا، بكل ما في ذلك من معنى، فهو من عائلة فقيرة، من أطراف حمص، لكنها نازحة من هضبة الجولان المحتلة، وهذه تفصيلة مهمة ولافتة، وهو لم ينل حظا من التعليم، لكنه أخذ شهادته من ملاعب كرة القدم، بحيث أصبح حارس مرمى فريق الكرامة، وفي فريق شباب سوريا، بكل ما في تلك المكانة من اللعب، ومن الفريق، من مسؤولية. الساروت ابن الـ 27 عاما قضى منها ثمانية أعوام في الثورة، تعرض خلالها لعدة محاولات اغتيال، وفقد خلالها والده وثلاثة أخوة، وعددا من الأقارب.
اللافت أن ذلك حصل في وقت مبكر، وثمة توصيف للساروت رسمه المخرج السوري أسامة محمد، في العام 2011، بالكلمات الآتية: “حينَ يفتح الساروت ذراعيه على اتساعهما ويَفْرِد كفيّه…تستيقظُ ذاكرةُ الجَسَد فيتذكر ضربةَ الجزاء. فهو “حارسُ المرمى…في كل جزء من كل لحظة. لا يطيرُ الحارس لِيَلمسَ الكرة بطرف إصبعه لأنها كرةٌ مطاطيّة…لا أحدَ يَعْرفُ مُخَيّلَتَهُ…هكذا، يقف في المرمى حارس شباب سوريا.…حارس مرمى منتخب شباب الثورة”. أيضا، وقبل خمسة أعوام، كتبت عنه السيدة نوال السباعي: “هذا الوجه.. يمثل عندي سورية، اليوم، وغداً، وحتى يقضي الله أمراً كان مفعولا.. بشبابه، بثورته، بثباته، بوعيه، بأخطائه، بحداثة سنه، بزلاته الكثيرة، بمسيرته الرائعة التي تمثل مسيرة الثورة خطوة فخطوة، بسلميته ومدنيته ووعيه المبكر بملابسات الوضع في سورية، بالتحاقه بالكفاح المسلح بعد أن سُدّت في وجوه الشباب الثائر، طرق النجاة.. هذا الوجه، يمثل عندي اليوم سورية.. سورية الجريحة المنكوبة.. سورية الهزيمة والنصر، سورية الرجولة والخذلان، سورية الثورة والحرب، سورية الشعب الذي لم يؤت إلا من عند نفسه …سورية التي تُشوى اليوم على نيران العدو الحاقد، كما الصديق الخائن، كما الابن العاق، كما النفوس الأمارة بجميع أنواع السقوط الأخلاقي.”
الفكرة أن الساروت في كل الأحوال هو نسيج عاديته تلك، أو إن عاديته الواضحة هي التي صنعت حكايته، أو استطاع صنعها، بحيث أخذ تلك المكانة الرمزية بين أقرانه، فهو في قيادة المظاهرات، وهو منشدها، وهو الذي كان يضع يده بيد فدوى سليمان (الفنانة الراحلة) مشكلا واحدة من أنبل المظاهر التي شهدتها الثورة السورية، باعتبارها ثورة وطنية، وضد التطييف، والأسلمة، إبان المرحلة السلمية. وعندما انسدت أفاق التغيير السلمي، واشتدت التدخلات الخارجية، وهبت الرياح السوداء، اضطر للذهاب إلى العمل المسلح، بغريزته، وبإيمانه بقضيته، فقط، أي من دون شعارات أو تنظيرات نمطية مسبقة، رافضا في ذلك الذهاب إلى المنفى، أو إلى مكاتب المعارضة.
المهم أنه الساروت، في كل ما تقدم، وبحسب سميرة المسالمة”جسّد صورة الثورة بنقائها وتحولاتها، وبقي يمثل مع كل ذلك عفويتها الجميلة..” وهو ما أكده خليل الحاج صالح، بقوله: “ما حدا يشبه هالثورة وتشبهه مثل عبد الباسط. كانها بكل اندفاعها ونقاءها وشجاعتها، وفي كل أطوارها، متظاهرًا ومُنشدًا ثم مقاتلًا؛ وكانته في كل تعرجاتها وخيباتها وخسائرها ونكساتها. عبد الباسط أجمل شهداء الثورة، كل الثورة.” ‏أما ماهر مسعود فبرأيه: “ليس هناك في سوريا كلها من مثّل الثورة في حياته وموته مثلما فعل الساروت.. غنى للحرية بفرح وأمل عندما كانت سلمية، ثم تحول للسلاح عندما أُغلق باب السلمية، ثم للإسلامية عندما غزت الإسلامويات الخارجية والداخلية الثورة وأُغلقت كل الأبواب الأخرى.. تهجّر مع المهجرين، ثم عاد ليموت مقاتلاً.. يشبهك كثيراً هذا الموت يا عبد الباسط.. لا يمكن إنصافك اليوم.. سينصفك التاريخ، وستنصفك الأبدية التي زرعتها في روح سوريا المتعبة. مع السلامة يا جميل، مع السلامة يا ثورة سوريا لوحدك.”
مع ذلك، ورغم الإجماع على الساروت، أكثر من أي أحد سبقه، إلا أن ذلك لم يمنع بعض الأصوات من الاعتراض على هذا الإجماع، أو إثارة بعض التساؤلات بشأنه، لذا ذهب حسام ميرو للرد على تلك التساؤلات، قائلا: “لا تقربوا الباسط من سوادكم: لا تقربوه ثقافوياً، سياسوياً. بل كلاعبٍ عشق الملعب فلم يغادره، حارساً أدمى قلبه دخول مئات الأهداف في مرماه، في مرمانا. يعرف مثلنا أن فريقه أنهك، واللاعبون تغيّروا، لكن قميص الفريق وكرامته هما الأغلى، فشرف الحارس أن يحمي الشباك، وأن يبكي مع دخول كلّ هدف، لكنه ينهض ويرمي الكرة لفريقه، الذي لم يعد فريقه، إنه يرمي الكرة ويصلّي أن يكون فريقه هو فريقه الذي يعرفه، متمنياً معجزة كي تتغيّر النتيجة، ولا يدرك أنه هو المعجزة.
لا تقربوه من سوادكم لتلقوا عليه تبعات رايات السواد، فقد كان قوس قزح حين كان بعضكم، أو معظمكم، أو معظمنا، بلا لون. هو الذي بسط صوته وروحه فكان الباسط. وماذا بسطنا نحن؟ رجاءً اتركوه بين عشبه، في أخضره، في كرامته، وملعبه الذي لم يغادره.”
أما آمال روحانا طوبي (فلسطينية في حيفا) فذهبت إلى تفسير البعد الرمزي الذي مثله الساروت، فكتبت: “نعرف جميعاً أن جزءاً صغيراً جداً ممن يدفعون الثمن لكي يحيا الباقون بكرامة وحرية داخل وطنهم.. تخرج أسماءهم الى العالم وتِعرف قصصهم. أما الجزء الأكبر فيبقى مجهولاً ويختفي طي النسيان. ومع ذلك.. ربما كانت تلك القلة هي لسان حال المنسيين.. هي سفيرهم للعالم هي التي تبقي شعلتهم تنير الحقائق وتكشف الزيف والظلم والقهر.. الى أن يسقط الظالمون ويحيا الوطن بأبنائه. بكى أصدقائي السوريون بالأمس رفيقهم في المأساة.. بكوه بكل الطرق وبكل الحسرة حتى شعرت بأن صفحتي بللتها الدموع. هذا الشاب الذي يختصر كل ما تعنيه الثورة السورية والذي اغتيل على يد النظام السوري كما اغتيلت ثورته من قبل بأياد كثيرة أمسكت بها كما يمسك الأخطبوط فريسته.. وخنقتها.. إلا قليلاً.. فالثورة التي خرجت من قلوب شباب الوطن لن تموت.. هو رمز فعلاً.. رمزُ يذكّر برفاقه جميعاً.. يرفع صوتهم بمماته كما بحياته. لربما يأتي اليوم الذي تقال فيه جملة: جنة يا وطننا وتكون حقيقية.”
بعد استشهاده الملحمي، نعاه السوريون، وبكوه، كما لم يبكوا أحدا قبله، وفي ذلك كتبت آية الأتاسي، ابنة حمص: “يا حمص، يا عاصمة الثورة.. قتلوك اليوم من جديد…راح أحلى أولادك يا حمص…راح الساروت، ٢٧ سنة عاش الساروت…٨ منها يقاتل من أجل الحرية.. يا وطن ليش هيك حريتك غالية؟” في حين عبرت إيمان الجابر (فنانة سورية) عن مرارتها وغضبها كأنها تخاطبه: ” ساروت سوريا …عم ينزل من عيوني ملح …يا قلبي عليك من أولك لأخرك أنت ثورة.. ولا لحظة شك مرت بقلبي أنك غير هيك.. بحبك بكل تغيراتك وتبدلاتك بسلميتك وسلاحك.. أنت بطلي الأجمل والأنقى والأبهى.. كنت كل ما تغيب.. اشتقلك وخاف عليك.. ترجع تشرق شمسك من أول وجديد.. واشعر بالقوة والأمل لمجرد يمرق خبر عنك.. صورتك أو غنية بصوتك.. مبارح قالوا صرت منيح وتجاوزت مرحلة الخطر.. واليوم من الصبح كنت ناطرة تطلع شمسك يا ابن الروح.. أنت ثورة ياعمري والثورة ما بتموت.. “. وفي ذلك كتب منهل باريش: “كنت أغاني الفتى كافية لأن تخلده في وجدان السوريين مئات السنين، لكنه أصر أن يكتبها بدمه. يكفي هذه الثورة العظيمة أن حنجرتها كانت عبد الباسط. يكفي تراب سورية العظيمة شرفا أن سقيت بدمه ودم ملايين السوريين. يكفيه أن قتل مسابقا الموت إلى الحرية. لقد فعل كل شيء.. كل شيء ومضى قابضا على بارودته بيده. استرح يا بطل سوريا كلها.” أما رفيق دربه خالد أبو صلاح فنعاه بقوله: “احزنوا واذرفوا الدموع سخية ولا تمسكوها، ولكن حذار أن تتخلوا عن قضية الساروت التي استشهد من أجلها. في قلب كل سوري حر اليوم مأتم وبيت عزاء، ولطالما أنشد الساروت مستشرفا هذا المآل.. سنزفك شهيدا يا حبيبي وتشيعك قلوبنا ودموعنا ونعاهدك بدمك ودم أخوتنا الشهداء أن نتابع على طريقك طريق الثورة التي لاتباع ولا تشترى ولا تفتر ولا تهدأ مهما غلت الأثمان”.
رحل الساروت شهيدا ملحميا.. لكنه سيبقى في قلوب وذاكرة السوريين، وسنبقى على أمل أن تصبح أغنيته ” جنَّة جنَّة جنَّة سوريا يا وطنَّا” حقيقة، كما قالت آمال روحانا ابنة حيفا التي تنتظر أمالنا أيضا في مكان أخر.

كاتب فلسيطيني*