نايف القدور*

إلى أبناء الشعب السوري في المناطق المحررة إن ماضيكم العريق جزء لا يتجزأ من حاضركم المشرف ومستقبلكم المشرق، في هذه اللحظات الحرجة التي يمر بها بلدنا الغالي، فتنبهوا لمكوناته، وحافظوا على آثاركم ومتاحفكم ومواقعكم الأثرية المنتشرة على جميع بقاع الأرض السورية، التي رفدت الإرث الحضاري بكل صنوف الحضارة. نهيب بكم جميعا رفع الوعي الوقائي لحماية الممتلكات الثقافية بكل أنواعها، واعلموا أن ما لا ماض له، لا مستقبل له. إن تراثكم الثقافي والحضاري ملك لكم كما للبشرية جمعاء، فحق عليكم أن تورثوه مصانا لأجيالكم القادمة.
تعريف التراث:
التراث هو ما تركته الأجيال السّابقة للأجيال التي تليها، أو ما تركه الأجداد كي يأخذ منه الأحفاد، مع إضافة ما اكتسبوه من خبرات في حياتهم، إمّا من خلال البناء، أو فنّ الكتابة، أو النقش، أو من خلال الأدوات المصّنعّة
بمفهوم آخر التراث هو مجموعة الممارسات والشعائر التي يقوم بها جماعة من الناس تعيش في مكان معيّن، وبهذا فإنّ التراث مثل الجذور الراسّخة في الشجرة، وكلّما كانت هذه الجذور ثابتة في الأرض، كانت الشجرة أقوى، بحيث تزيد قدرتها على مواجهة صعوبات الزمن المختلفة.
التراث من ناحيّة علميّة هو علمٌ مستقلٌ بذاته، يهتم بأحد أقسام الثقافة، ويُركز عليها من نواحٍ متعددة أثريّة، وتاريخيّة، وجغرافيّة، واجتماعية، ونفسية، ويهتم أيضًا بكلّ ما تبقى على الأرض من معانٍ، ورموزٍ حضاريّة، ومن معالم أثرية موجودة تعود إلى العصّور السّالفة.
أنواع التراث
التراث المادي:
مواقع اركيولوجية: وهي عبارة عن مواقع أثرية تعود لفترة ما قبل التاريخ (موقع ابلا) أو العهد الفينيقي أو الروماني والبيزنطي (المدن المنسية في شمال سوريا) أو الإسلامية.
تراث مبني: كالمدن العتيقة (دمشق-حلب) أو مساجد (الجامع الأموي) أو المدارس (مدرسة الفردوس).
تراث منقول: كالنقود والحلي والأواني الخزفية أو الأسلحة
التراث اللامادي: يعني كل ما يدخل في خانة العادات والتقاليد الشعبية والحرف والصنائع والموسيقى.
أهمية الحفاظ على التراث
الحفاظ على التراث الثقافي وبعده الحضاري، وحفظه لذاكرة وهوية الانسان والمجتمع. فالحفاظ على التراث الثقافي هو إغناء للثقافة الإنسانية بالحفاظ على التنوع الثقافي لدى شعوب المعمورة
إن التراث بقيمه الثقافية والاجتماعية يكون مصدرا تربويا، وعلميا، وفنيا، وثقافيا، واجتماعيا.
و فقدان التراث الثقافي يعني فقدان الذاكرة، ويعني افتقارا اقتصاديا مهما في التنمية المحلية لمناطق هذا التراث.
إعطاء الإحساس بالإشباع العاطفي، عن طريق الشعور بجمالية الماضي، لأنّ التراث يرّبط الماضي بالحاضر.
تعرّض التراث الثقافي خلال الثورة في سوريا لأضرار كبيرة جدا بشقيها، التراث المادي حيث تعرضت جميع المواقع والتلال الأثرية والتاريخية لجميع أنواع التعديات، وخاصة القصف من قبل قوات النظام بمختلف الأسلحة وأيضا الدمار من قبل الأشخاص بحثا عن الآثار والكنوز وعمليات جرف وتكسير لحجارة المواقع الأثرية، والتراث اللامادي حيث تسببت الحرب الدائرة في سورية منذ ثمانية سنوات بإحراق كثير من المحلات في الأسواق القديمة والتي كان يقوم أصحابها بالعمل ضمن مهن يدوية تقليدية تراثية، ففي حلب وادلب احترق أكثر من 1200 محل في الأسواق القديمة التراثية، وهناك الكثير من أصحاب المهن هجروا من منازلهم ومصانع الحرف اليدوية دمرت وهُجر أصحابها وخسروا كل ما لديهم. إن هذه الأضرار لا يمكن تداركها إلا من خلال التدابير التي يمكن أن تسهم إسهاماً كبيراً في الحد من نطاق هذه المخاطر والتي من أهمها:
القيام بحملات توعية بين الأهالي في المناطق الأثرية المحررة عن طريق مطبوعات ومحاضرات تثقيفية توضح أهمية التراث الحضاري للمجتمعات. و تعزيز التعاون مع المجالس المحلية والفصائل صاحبة النفوذ والسيطرة على أراضي تحتوي على مواقع أثرية، من خلال فرز عناصر لحماية المواقع الأثري من المخربين واللصوص مقابل دعم مالي لهم. ويجب تعزيز التعاون مع المنظمات الدولية المعنية مثل اليونسكو، والتي ساعدت بإطلاق حملات توعية دولية حول المخاطر التي يتعرض لها التراث الثقافي السوري خلال هذه الأوقات الصعبة.
حفظ اللقى الأثري المستخرجة من الحفارين ولصوص الآثار الذين يقومون ببيعها وتهريبها إلى خارج البلاد، وذلك عن طريق شرائها منهم وحفظها في مكان آمن والعمل على استعادة اللقى التي تم تهريبها إلى الخارج، من خلال التواصل مع المنظمات الحقوقية المعنية بهذا الأمر. العمل على حصر جميع عناصر التراث اللامادي في المناطق المحررة وإيجاد قاعدة بيانات لها والعمل على توثيق هذا التراث للأجيال القادمة.

*باحث أثري