حسن عبد الرحيم

كثف النظام السوري مدعوماً بالقوات الروسية استهدافه مدن وبلدات ريف إدلب الجنوبي أواخر نيسان الفائت، بصواريخ الطائرات الحربية والبراميل المتفجرة وراجمموسم الهجرة إلى الشمالات الصواريخ، في نسفٍ تام لاتفاق سوتشي الذي وقعه الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان في أيلول من العام الماضي، والذي يقضي بإنشاء منطقة لنزع السلاح بين مناطق سيطرة قوات النظام و”المناطق المحررة”.

وأطلقت قوات النظام حملة عسكرية في ريفي حماة الشمالي وإدلب الجنوبي، مما تسبب بحركة نزوح كبيرة قدّرها “فريق منسقي الاستجابة” بما يزيد عن 500 ألف نسمة. لم يجد الكثيرون من هؤلاء مأوىً مما اضطرهم لافتراش الأرض تظللهم أشجار الزيتون، ومن نجح منهم في العثور على منزل في إحدى بلدات الريف الشمالي كانت غصته خانقةً نتيجة أسعار الإيجار المرتفعة جداً.

أبو أحمد.. حكاية نزوح

أبو أحمد رب أسرة من مدينة كفرنبل يروي لـ”بوابة سوريا” تفاصيل نزوحه مع عائلته إلى ريف إدلب الشمالي بعد أن تعرضت مدينته لغارات جوية وقصف صاروخي مكثف: “اتخذنا قرارنا بالنزوح شمالاً في أول أيام شهر رمضان، فقمنا بتوضيب ما يلزم من أثاث ومتاع بانتظار شروق الشمس للانطلاق في رحلتنا. وتجمع الأولاد حولي هاربين، باعتقادهم، من أصوات الانفجارات الهائلة الناتجة عن صواريخ الطائرات التي تنهال على المدينة وأطرافها بشكل هستيري. كل ما تمكن معرفته هو أن الطائرة التي تقصف المكان تابعة للقوات الروسية أو لقوات الأسد وذلك بحسب مراصد الطيران التي تعمل على تحذير المدنيين”.

ويتابع: “مع حلول موعد السحور تكوّر الأولاد حولي كما هي العادة في كل مرة، فقد اخترقت طائرة روسية صمت المكان ومن ثم بدأت باستهداف أحد مستشفيات المدينة بالصواريخ الارتجاجية محدثةً أصوات انفجارات هائلة، وكان كل ما أتمناه بلوغ الصباح للابتعاد بهم عن هذا الجحيم”.

فور وصول السيارة مع شروق شمس الصباح، حمّل أبو أحمد وعائلته ما استطاعوا تحميله فيها، وغادروا المكان على إيقاع هدير طائرة حربية تابعة لقوات الأسد كانت تقصف أهدافاً مدنيةً في بلدة قريبة، ما جعل السائق يسابق الزمن للخروج من أتون ذلك الجحيم، من دون أن تتوقف أصوات الطائرات والانفجارات الناتجة عن صواريخها المنهالة فوق أسطح المنازل. كانت سيارتهم واحدة من بين عشرات السيارات التي تحمل عائلات هاربة من حقد الطائرات.

في الساعة الثامنة صباحاً وصلوا إلى إحدى مدن الريف الغربي للمحافظة، وهي بعيدة نوعاً ما عن أصوات الانفجارات، لتبدأ رحلة البحث عن منزل للسكن بالإيجار دون أن يوفّقوا في ذلك، فهذا المنزل غير قابل للسكن، وهذا غير مكسيّ، وذاك لم يجهز بعد، والآخر كان مستودعاً للبضائع تم تفريغه لتأجيره للنازحين الفارين بأرواح أطفالهم. وبينما كانت شمس ثاني أيام شهر رمضان تلتهم ما تبقّى من قواهم الخائرة أساساً، كان عليهم اتخاذ قرار صعب باستئجار سيارة أخرى للذهاب إلى مدينة أخرى باحثين عن مأوى يمتلك أدنى مقومات السكن البشري. “سارت بنا السيارة عبر جبال وعرةٍ ما كان علينا أن نسلك طرقاتها لولا حرب الإبادة تلك، قاصدين بلدة تقع في أقصى الريف الشمالي وتتوزع من حولها مخيمات النازحين الذين مضى على نزوحهم سنوات حتى أصبحوا جزءاً من المكان، وربما ضحكوا علينا في قرارة أنفسهم لأننا كنا نحدثهم عن عودة قريبة ونحن واثقون من ذلك. بدأنا رحلة بحث جديدة عن منزل مع اقتراب موعد أذان المغرب ونحن صائمون، وربما يكون هذا ما أثار شفقة أحد المقاولين الذي كان مصرّاً في بداية الأمر على عدم وجود منزل للإيجار بعكس المنازل الكثيرة المتوفرة للبيع بآلاف الدولارات التي لا نملكها، ما دفعه إلى القبول بتأجيرنا بيتاً صغيراً مكوناً من غرفتين صغيرتين مقابل إيجار شهري يبلغ 45 ألف ليرة سورية، يتم دفع ثلاثة أشهر سلفاً بعقد رسمي، بينما كانت حصة السمسار (صاحب المكتب العقاري) 40 دولاراً بالإضافة إلى مبلغ تأمين بلغ 100 دولار. أخبرنا صاحب المنزل أنه لم يكن ينوي تأجير البيت لكنّه أشفق علينا حين رأى حالتنا تلك، خاتماً حديثه بالدعاء على بشار الأسد الذي شرّد العباد وهدّم البلاد”.

يختم أبو أحمد حكاية نزوحه بالقول: “قبيل أذان المغرب بلحظات أمسكت مفتاح المنزل وكأنني أمسكت كأس ماء بارد زال به تعب صيام نهار طويل شعرت أنه انتهى، بينما ما يزال الكثيرون يعيشونه تحت أشجار الزيتون وفي الأراضي الزراعية وهم ممن لا يملكون تلك المبالغ الباهظة، أو من الذين لم يوفقوا بصاحب منزل يشفق عليهم”.

بينما تستمر آلة القتل بحصد أرواح المدنيين في الريف الجنوبي دون أي فعل دولي حقيقي لوقف تلك المجزرة المستمرة، يدفع الكثيرون من المدنيين أرواحهم ثمن بقائهم في منازلهم تحت وطأة القصف، يمنعهم من النزوح الفقر أو عدم توفر منازل للإيجار بسبب الضغط الهائل والكثافة السكانية الكبيرة التي تعيشها مناطق الريف الشمالي بشكل عام.