بوابة حماه

التحق ريف حماة الشرقي ومنذ انطلاق الثورة بركب الحراك الشعبي، وشكلت الأراضي الواسعة الممتدة من محيط سلمية وحتى عمق البادية الشامية فسحة خلفية مريحة للثوار ليتحركوا فيها وعبرها، كما شكلت طرق إمداد رئيسية غذّت أغلب المناطق الثائرة وسط وجنوب البلاد، والتي حوصرت في أوقات لاحقة.

وعجز النظام عن السيطرة على الريف الشرقي حتى نهاية العام 2017 وبداية 2018، في ما عرف لاحقاً بمعارك “شرق السكة” التي امتدت إلى الكثير من القرى الواقعة غربها، ورغم أن الدور الاستراتيجي الذي لعبه الريف الشرقي للثورة تراجع كثيراً منذ سيطرة داعش على أجزاء واسعة منه (ناحية عقيربات) وصولاً لريف سلمية الشرقي المجاور، إلا أن العقوبات القاسية كانت بانتظار هذا الريف وأهله (كغيره من المناطق) عقب سيطرة قوات الأسد والميليشيات الروسية عليه.

في أهمية المنطقة

ينقسم الريف الشرقي لحماة إلى قسمين رئيسين يفصلهما طريق سلمية – إثريا، وقد سيطر داعش على الجزء الواقع جنوب الأوتوستراد (ناحية عقيربات وقراها)، بينما بقيت المناطق الواقعة شمال وغرب الأوتوستراد تحت سيطرة الثوار وهي تابعة بالغالب لناحية الحمرا وناحيتي الصبورة والسعن.

يقول حسين العلي وهو من ريف سلمية لـ”بوابة سوريا”: “عملنا على مدى سنوات في خدمة أهلنا الثوار في المناطق المختلفة سواء في الغوطة وريف دمشق أو حمص وريفها، وخصوصاً خلال فترة الحصار الذي نفذته الميليشيات على تلك المناطق، وكانت تأتينا بعض الحالات لمصابين ومرضى يحتاجون العلاج غير المتوفر في مناطقهم أو الانتقال إلى الشمال السوري أو تركيا وهو ما كنا نساعدهم عليه بنقلهم عبر طرق صحراوية في عمق البادية وتأمين وصولهم للمناطق المحررة”.

وبيّن “العلي” أن ذلك كان يتم قبل سيطرة داعش على عقيربات وريفها، إذ انقطعت أغلب الطرق الصحراوية الواصلة بين الغوطة وريف حمص مع الشمال، واقتصرت على بعض الطرقات الخطرة برفقة الشبيحة وعبر قراهم.

ويؤكد ضياء الأسود وهو مقيم سابق في مناطق داعش أنه لم يكن مسموحاً أبداً التعامل مع الثوار الخارجين من المناطق المحاصرة كثوار، وكانت عقوبة من يعمل على تهريبهم عبر مناطق سيطرة داعش إلى مناطق أخرى القتل والاعدام، لكن كان بالإمكان الدخول إلى المنطقة بالصفة المدنية العادية بعد أن يحصل الشخص على “تزكية” من بعض عناصر التنظيم تخوله الدخول ولتحرك كيفما يريد (في حال الموافقة على دخوله).

حال القرى وصعوبة العودة إليها

سيطرت الميليشيات الروسية على ناحية عقيربات وقراها بعد معارك استمرت عدة أشهر، وانتهت مطلع أيلول 2017 بدخولها مركز الناحية وسيطرتها عليه، في حين سيطرت ميليشيات نظام الأسد وبمساندة الطيران الروسي على باقي أجزاء الريف (القسم الشمالي الشرقي) في ما عرف باسم “شرق السكة”.

يقول ريان الأحمد وهو من أبرز ناشطي ريف حماة الشرقي: “بدأت المعارك العنيفة من قرية أبو دالي وحاجز البليل وتل المحصر، ثم امتدت شمالاً وبدأت القرى تسقط واحدة تلو الأخرى حتى بلغ مجموع ما سيطرت عليه الميليشيات في ريف حماة الشرقي أكثر من 170 قرية، وهي قرى كان يقطن فيها نحو 150 ألفاً من النازحين الذين هربوا باتجاه المناطق الغربية والشمالية تاركين قراهم خالية خلفهم، حيث بقيت المئات من القرى خالية من أهلها لفترات طويلة قبل أن تسمح قوات النظام لبعضهم بالعودة بعد دفع مبالغ هائلة للحواجز المختلفة”.

كانت الحالة مشابهة تماماً في الجزء المقابل من الريف، حيث بدأ الأهالي بالنزوح من القرى التي هاجمتها الميليشيات الروسية ابتداءً من الجنوب (منطقة حويسيس وجباب حمد) ونحو الشمال وصولاً لوادي العزيب حيث تجمع عشرات الآلاف من النازحين.

تقول “أم عبد الله الحسام” إحدى الناجيات وأطفالها من تلك المنطقة والتي فقدت زوجها في عقيربات: “حوصرنا عدة مرات في عقيربات والهداج ثم وصلنا إلى وادي العزيب، حيث تجمع عدد كبير من الأهالي الذين كانوا يخرجون ببطء وعلى دفعات، وبقينا في وادي العزيب حوالي أسبوع تعرضنا فيه للقصف الكثيف وغارات الطيران، ما أدى إلى استشهاد عدد من النازحين ووقوع عدة مجازر بين المدنيين وضياع قسم آخر منهم وتفرقهم عن عائلاتهم. لقد كان حقداً أعمى علينا وكانوا يتمنون أن يبيدوا الجميع”.

ويبين زياد النذر وهو عضو “المجلس المحلي لناحية عقيربات” أن نسبة قليلة من أهالي 73 قرية عادوا إلى قراهم فقط (لا تتجاوز 100 عائلة) وذلك بسبب فرض الضرائب الباهظة على المدنيين ومواشيهم وآلياتهم الزراعية للسماح لهم بالدخول، بالإضافة لتعمد ترك تلك المنطقة بلا أي خدمات، فمن يعيش فيها يجب أن ينسى الخبز والتعليم والصحة والماء والكهرباء، ولا يوجد سوى الخراب والدمار والخطف والتشبيح والنهب والسلب، إذ تقيم الميليشيات ما يشبه الإقطاعيات والمزارع الخاصة بها، فتستثمر بساتين الزيتون والأراضي الزراعية والمراعي عبر تأجيرها لأهلها وقبض مبالغ مالية منهم مقابل السماح لهم باستثمار حقولهم أو رعي أغنامهم.

غياب السكان عن قراهم وآثاره

لم يقتصر تأثير غياب الأهالي عن قراهم عليهم فقط، بل أثر على المحيط والمحافظة إجمالاً وخصوصاً مدينة سلمية التي تعد أكبر حاضرة في الريف الشرقي وبوابة البادية الشامية كلها، حيث تأثرت الحركة التجارية في المدينة كثيراً لا سيما لدى أهل المدينة، في حين باتت نسبة قليلة من الشبيحة هي المستفيد الوحيد من الوضع بعد أن كان الخير عامّاً.

يقول سامر عيسى وهو من أبناء مدينة سلمية: “كانت قرى ناحية عقيربات المصدر الرئيسي للألبان والأجبان ومشتقات الحليب المختلفة التي تأتي بشكل يومي إلى سلمية ومنها إلى حماة حيث أسواق التصريف، بالإضافة لكون بعض أجزاء المنطقة زراعية تنتج بعض المحاصيل ولا يقتصر الأمر فيها على الرعي، لكنّ ذلك كان قبل أن تتحول كامل المنطقة إلى ما يشبه البنك الذي يدر الأموال الطائلة على فاضل وردة ومصيب سلامة وغيرهم من القيادات الأمنية التشبيحية في سلمية، الذين يستغلون الأهالي الراغبين بالعودة لقراهم ويبتزونهم بمبالغ مالية طائلة بهدف إبقاء المنطقة فارغة من أهلها، وكل ذلك بعد انتهاء عمليات التعفيش التي دمرت ما تبقى من القرى والبلدات المختلفة ونهبت محتواها”.

وبالمثل، فإن ناحية الحمرا وقراها تمثل أيضاً خزاناً ضخماً للثروة الحيوانية في محافظة حماة، وقد أدى نزوح الأهالي منها ونقلهم مواشيهم بشكل سريع إلى خسائر كبيرة، حيث ضاقت مناطق الشمال السوري (إدلب وريفها) بالقطعان الكبيرة التي أتت من المنطقة الشرقية لكونها جبلية التضاريس ومشجرة بالغالب ولا تصلح للرعي، ما اضطر المربين لبيع أعداد كبيرة من قطعانهم بأثمان بخسة وهو ما كبد الأهالي خسائر إضافية فوق خسارتهم بيوتهم وقراهم وأراضيهم.