زينة عبد الهادي*

لم أكن أتوقع، بأن أتمكن  بعد تلك الرحلة الشاقة والطويلة والأيام الثلاثين التي قضيتها في سجون مصر، أن أحب هذه البلاد، وأتعلق بأم الدنيا وجمال مناطقها وسكانها بهذه الطريقة العجيبة.
كانت رحلت سفري شاقة جداً، من لبنان إلى مطار الشارقة، ومن ثم السودان، والصحراء الشاسعة اللامتناهية، وصولاً للأراضي المصرية، بسيارة “المهرب” التي كانت مرات عدة على وشك إنهاء حياتنا بسبب سرعتها الزائدة، وهروبها من حرس الحدود المصرية، الذي أمسك بنا قبل الدخول في عمق هذه البلاد.
30 يوماً قضيتهم في سجن على الحدود المصرية السودانية، وكم راودني خلال تلك الفترة تساؤلات عديدة، كيف سأحب هذه البلاد؟ كيف سأستطيع التأقلم معها بعد أيام السجن العصيبة هذه؟ الذي دخلته لعبوري البلاد بطريقة “غير شرعية”، ولكنني كنت مجبرة على ذلك الخيار!.
أخيراً تم الإفراج عني، ودخلت برفقة زوجي وطفلي بطريقة شرعية إلى الأراضي المصرية، وصلت لبيت عائلتي، كنت كارهة لهذه البلاد كرهاً يفوق كل التوقعات، فالثلاثين يوماً كانت كافية لتخرج أسوء المشاعر لدي.
صممت بداية على الخروج من  مصر، عند تحسن حالتي الصحية ووضع مولودتي بعد خمسة أشهر، ولكن ما رأيته من شعب هذه البلاد، غير كل تفكيري ومخططاتي، وقلب جميع الموازين.
لم أتخيل أن أحب أم الدنيا بهذه السرعة، عند نزولي للشارع والبدء بالبحث مع زوجي عن بيت نسكنه، سمعت كل كلمات الترحيب اللائقة، جميع الجمل التي تشعرك بالخجل وكم أنت مرحب بك، وتنهال عليك العبارات: “دنتو منورين مصر، السوريين أكدع ناس، والله منحبكو من قلبنا، ربنا يفك كربتكو يارب، لا ياباشا أنت تاخود البيت من غير فلوس.. أنا ما صدقتش يستأجرو حدي سوري”.
عبارات تشعرك بالمعنى الحقيقي لما درسناه في كتب التاريخ عن كرم العرب وحسن الضيافة والاستقبال، والمحبة بين الشعوب العربية وأننا أمة  واحدة وجرحنا واحد، ونشعر ببعضنا البعض حقاً.
في كل مكان تدخل له أنت السوري، تجده فياضا بالحب، نظرات أهل مصر الجميلة لك والابتسامة المرسومة دائما على وجههم تشعرك بالأمان، جريهم وراء أطفالك ومداعبتهم لهم، والإعجاب بجمالهم والتحدث عنهم، يشعرك كم هم أناس متصالحين مع ذاتهم، ويعبرون عن جمال روحهم بكلماتهم الشفافة النقية.
ترددت كثيرا قبل أن أسجل طفلي في “حضانة” مصرية، فكان الخوف بداية يتملكني من تغير الثقافات عليه، لكن لم أصدق كمية الحب التي أخذها من مدرساته، اللواتي لا يتوقفن عن حضنه والتعبير عن إعجابهن بلهجته السورية، وحركاته وتصرفاته، وبات واضحا انعكاس تلك المحبة على طفلي، الذي أحب اللهجة المصرية وأصبح يتحدث بها في المنزل وعند رؤيته أي شخص من الجنسية المصرية.
لا أكذب وأكون بمنتهى الصدق، إن قلت أنني وحتى الآن وبعد مرور عام ونصف تقريبا على دخولي مصر، لم أتعرض لأي موقف عنصري واحد، فالحب من المصريين موجود في كل مكان محيط بي، الجيران في عمارتي، البواب وزوجته وأطفاله الذين يحاولون مرارا تعلم اللهجة السورية ولا يتوقفون عن مناداتي بأجمل الألقاب، بائع الفاكهة والشاب العشريني بجانبه الذي يبيع السجائر، والذي أصبح صديق طفلي المحبب ويسأل عنه كل ما مررنا بجانبه وينادي بأعلى صوته (أزيك يا صاحبي، والله واحشني أوي” ليرد عليه ابني ذو الأربع سنوات “مشتاقلك، أنت أزيك”، ليرتفع صوته ضاحكا لدمج ابني اللهجتين المصرية والسورية معا.
أكثر ما يستوقفني هنا في أم الدنيا، عرض المساعدة المتكرر من السيدات المصريات عند رؤيتهن لي، حتى وإن لم نكن نعرف بعضنا البعض مسبقا، فدائما سؤالهن الأول يكون، “حضرتك سورية صح؟.. لو احتجتي أي مساعدة أنا موجودة، ما تترديش خالص، نحن أخوات إن شاء الله”، وسؤالهن عن الأطعمة التي نطهوها والتحدث عن مذاقها الرائع، وكم نحن ذواقون ونحسن اخيتار مكونات طعامنا.
لست أنا الوحيدة فقط، فجميع من حولي من السوريين يتحدثون دائما مثلي عن كرم الضيافة ومحبة الشعب المصري، لا ننكر أن هناك بعض التصرفات والأشخاص المصريين الذين لم يحبوا السوريين مثل غيرهم، ولكن عددهم قليل جدا مقارنة مع من لا يتوقفون عن التعبير عن سعادتهم بوجودنا على أرضهم، فالطابع العام غالب عليه المحبة والترحيب الذي لم يتوقف منذ دخول أول سوري إلى مصر وحتى الآن.
هذا ليس الدخول الأول لي إلى مصر، أذكر جيدا عند زيارتي لها في العام 2013 لرؤية شقيقي، وحينها مكثت عندهما شهر كامل، رأيت فيه أيضا محبة لا توصف وأبواب غير موصدة بوجه السوريين، حيث كان المصريون يتسابقون لخدمتهم ومساعدتهم وتقديم يد العون لهم، خاصة أن أعدادهم كانت قليلة والأحداث التي تمر بها سوريا جديدة وغير مألوفة، ولم يكن السوريون متأقلمين مع الغربة بهذه الطريقة.
نعم أحببت وطني سوريا كثيراً الذي قضيت فيه 25 عاما ودرست  الهندسة، ولكن الآن أحب مصر أيضا، وأحبها كثيراً، فلقد أعطتني مشاعر المحبة والآمان والراحة التي حرمت منها في بلدي خلال السنوات السابقة، واضطررت الخروج منه مجبرةً.