تفاءل الناس في الجزيرة السورية خيراً بموسم زراعي جيد بعد سنوات عجاف طويلة، سادها الجفاف وقلة الأمطار. تفاؤلهم هذا نابع من التوقعات بموسم وفير من الحبوب وخصوصاً من محصولي القمح والشعير بعد أمطار غزيرة جادت بها السماء عليهم، وكأنها تعويض إلهي عن موسم العام الفائت الذي تكبد فيه غالبية المزارعين خسائر فادحة. فأكثرهم لم يحصد حبة قمح أو شعير واحدة، ولجأوا إلى حراثة أراضيهم قبل موسم الحصاد لأن قلة الامطار لم تساعد على نمو المحاصيل في المناطق التي تعتمد الزراعة البعلية، والتي يعتمدها غالبية المزارعين بعد قيام الثورة عام 2011.

تفاؤل المزارعين يتحول إلى إحباط

لم يتجاوز إنتاج سوريا من القمح في العام الماضي 1.2 مليون طن، وهو الأسوأ على صعيد كمية القمح المنتجة فيها منذ 29 عاماً بحسب منظمة الأغذية والزراعة الدولية “فاو”. بينما كان متوسط إنتاج الحسكة لوحدها 800 ألف طن وكان من المتوقع أن يزيد في موسم 2019 الحالي عن هذا الرقم، إلا أن تفاؤل المزارعين سرعان ما تحول إلى نوع من الاحباط نتيجة حدوث حرائق في حقول الشعير والقمح، وبشكل يثير الشكوك في كونها حرائق طبيعية، وقد توزعت الحرائق على كافة مساحة الجزيرة السورية.

فايز ابراهيم أحد المزارعين الذين طالت النيران محصوله الزراعي في قرية خربة جاموس (شمال شرق الحسكة)، وهو يتحدث لـ “بوابة سوريا” عن حجم الخسائر بعد احتراق حوالي 3 آلاف دونم (300 هكتار) تعود ملكيتها لعائلته: “أحدهم كان يركب دراجة نارية أضرم النار في المحصول وامتدت النيران بفعل الهواء، ولم تصل فرق الإطفاء والآليات في وقتها، وكانت النتيجة احتراق المحصول بشكل شبه كامل”.

أما فرهاد شيخو من قرية سيد علي (شمال الحسكة) وهو أحد المتضررين أيضاُ، فيعتبر أن قلّة الخبرة لدى فرق الإطفاء كانت سبباً في احتراق مساحة 1500 دونم (150 هكتار) في قريته، ويضيف: “مع الأسف وصلت آليات الإطفاء متأخرة جداً، وكانت النتيجة احتراق كافة المحاصيل في القرية، فرق الإطفاء لم تقم بواجبها لعدم خبرتها في وضع استراتيجية مناسبة للسيطرة على الحريق”.

خسائر فادحة

قدّرت “الإدارة الذاتية” المساحات المتضررة من محصولي القمح والشعير خلال الموسم الحالي بـ 400 ألف دونم (40 ألف هكتار)، حيث يؤكد الرئيس المشترك لـ “هيئة الاقتصاد والزراعة في الإدارة الذاتية” سلمان بارودو أنه ومنذ بدء موسم الحصاد وحتى تاريخ 16 حزيران 2019 التهمت النيران أكثر من 400 ألف دونم على مستوى شمال وشرق سوريا، وتُقدّر قيمة المحاصيل المحروقة بأكثر 18 مليار ليرة سورية”.

وكانت “الإدارة الذاتية” قد حددت تسعيرة شراء محصول القمح بـ 160 ليرة سورية والشعير بـ 100 ليرة سورية للكيلو الواحد، مما شَكَّل “صدمة” لدى الناس والمزارعين. وتوالت ردود أفعالهم السلبية من التهكم والسخرية إلى رفض تسليم محاصيلهم بشكل قطعي الى “الإدارة الذاتية “واللجوء الى خيارات أخرى متاحة كالسوق والتجار أو إلى مؤسسات النظام السوري التي حددت أسعار الشراء لمحصول القمح بـ 185   والشعير بـ 135 من خلال “المؤسسة العامة للحبوب”، والتي ذكرت أن الإنتاج سيصل إلى 3 ملايين و300 ألف طن، منها قرابة 800 ألف طن من الحسكة، وهي أرقام تقارب إنتاج سوريا قبل عام 2011.

محاولات الحد من الكارثة

يعتبر “بارودو” أن الإدارة الذاتية اتخذت الكثير من الاجراءات وفق “الإمكانيات المتاحة”، من حيث تشكيل لجان الطوارئ وتوزيع الإطفائيات على كافة المناطق، بالإضافة إلى تشكيل لجان من القوى العسكرية للحد من الكارثة التي حلّت بمناطق شمال وشرق سوريا.

ولم يكتفِ “بارودو” بتوجيه أصابع الاتهام إلى تنظيم داعش الذي تبنى حرق المحاصيل عبر صحيفته “النبأ”، مشيراً إلى مجموعة تسمي نفسها بـ”المقاومة الشعبية” تُضرم النار في المحاصيل الزراعية بالإضافة إلى وجود جهات “لا تريد الخير” للإدارة الذاتية وتقوم بهكذا أفعال، على حد قوله.

نداء إلى المجتمع الدولي

وجه عدد من منظمات المجتمع المدني والجمعيات الخيرية في شمال شرقي سوريا، نداءً إنسانياً إلى المجتمع الدولي والمنظمات الدولية لتقديم مساعدات طارئة لمواجهة الحرائق.

وقالت مساعدة العمليات في منظمة GAV4RD (إحدى المنظمات الموقعة على النداء) هيفي سليمان لـ “بوابة سوريا” إنهم وجهوا النداء لأكثر من 35 جهة دولية ما بين منظمات وحكومات مانحة وهيئات تابعة للأمم المتحدة، وهم في انتظار الردود من تلك الجهات للعمل على تفعيل استجابات طارئة بشكل فوري وتقديم تعويضات للمتضررين.

“محاسبة وتعويض”

يقول “بارودو” إن “الإدارة الذاتية” شكّلت لجاناً زراعية لإحصاء المساحات المحروقة وتسجيل أسماء المزارعين المتضررين، وأن هذه الجداول ستقدم “للإدارة” التي ستكون لها كلمة الفصل وستحدد موقفها من هذه الكارثة.

من جانبه، يُطالب الدكتور شوقي محمد  (الحاصل على الدكتوراه في كلية الاقتصاد) “الإدارة الذاتية” بمحاسبة جميع المسؤولين عن جاهزية آليات الاطفاء، ويقترح في حديثه إلى “بوابة سوريا” جملة من الخطوات للخروج من المأساة التي لحقت بالمواطنين في الجزيرة قائلاً: “ينبغي على الإدارة الذاتية اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة للحفاظ على ما تبقى من الموسم الزراعي والإسراع برفع سعر كيلو القمح لاستلام أكبر كميات ممكنة، وضرورة إعلان الإدارة الذاتية تحمل جزء من المسؤولية حول ما حدث والإعلان أيضاً عن أهم الاجراءات التي يمكن أن تقوم بها في مواجهة هذه الكارثة ومن ضمنها تعويضات الأضرار ضمن إمكانياتها المالية”.

ويختم كلامه بالإشارة إلى ابتزاز الفلاحين من قبل أصحاب الحصادات بطلبهم أسعار عالية، “إذ بات مالكو الحصادات يطلبون أسعاراً عالية مقابل حصاد الدونم الواحد وتتراوح بين 2500 وَ 3000 ليرة سورية، علماً أن تسعيرة الإدارة الذاتية 1500 ليرة فقط”.

في الوقت الذي تتفاقم فيه مأساة المواطنين من دون حلول تلوح في الأفق، فإن الحرائق لم تقتصر على التهام المساحات الواسعة من المحاصيل الزراعية، بل طالت الأرواح في بعض الأحيان، حيث سُجلت حالات وفيات لعدد من الفلاحين والأهالي الذين كانوا يحاولون درء خطر النيران عن قوتهم، وبذلك تحولت آمال المواطنين بموسم وفير إلى آلام وأوجاع قد لا ينساها البعض طوال حياتهم.

*بوابة الجزيرة السورية