الصفحة الرئيسية رأي وتحليل هل تلم اليابان أشلاءنا السورية المبعثرة

هل تلم اليابان أشلاءنا السورية المبعثرة

 

تتحول بعض الزيارات إلى دول كاليابان من مجرد جولة في مكان جغرافي جديد، إلى نقطة انعطاف في التفكير حول أليات بناء الاستراتيجيات في التعاطي مع الكوارث، ورغم أنه لا تشابه بين الكارثة التي تعصف بسوريا حالياً، والحرب التي تخوضها أطراف عديدة ولأجندات متعددة سواء من النظام، أو من الأطراف المحسوبة على القاعدة، أو حتى تلك الفصائل التي تعمل وفق أجندات إقليمية، (في تهميش واضح لمشروع القوى الوطنية التي تنادي بمبادئ الثورة السورية السلمية) حيث يخلو كثير من مبررات المتصارعين من منطق الوطنية والحفاظ على الدولة السورية، إلا  أن مجموع محصلاتها من الخراب والدمار، هو واحد تقريباً، حيث يتساوى الموت للضحايا المدنيين الذين نشاهد عذاباتهم قبل وخلال وأثناء العمليات الممنهجة لعمليات القصف الجوي، التي مارسها النظام السوري بالتعاون مع حليفتيه روسيا وإيران على مناطق كثيرة منذ بدء الثورة السورية، وآخرها ما تشهده إدلب حالياً، مع الموت الذي تسببه عمليات النصرة وداعش ذات البعد الإرهابي على شرائح مختلفة من السوريين.
أي أننا ومن خلال اليابان يمكن تلمس الفرق بين كارثة يسببها عدو خارجي كما حدث في هيروشيما و ناغازاكي، حيث يصطف الشعب بكامل توجهاته في جهة واحدة تجمعهم الغاية والهدف والوطن، وبين كارثة سوريا حيث “الأخوة الأعداء” الذين استمدوا قوتهم في قتل بعضهم بأطراف دولية، لم تتعمد جميعها مد يدها بهدف حسم معركة لمصلحة طرف ضد آخر، بل أسهمت في إطالة أمد الصراع، وتحويله من غايته الأساسية في التغيير السلمي إلى صراع مسلح مفروض على الجميع، من لحظة استخدام النظام السوري للعنف في مواجهة مطالب الحرية وصون الكرامة وحقوق المواطنة، إلى المرحلة المفصلية التي غيرت صيغة الصراع المحلي السياسي على الحقوق، إلى صراع مسلح مرهون بأجندات الدول التي تموله، وتحرك مواقع جبهاته، بما يخدم الخريطة الجديدة التي تعدها للشرق الأوسط عموماً ولسوريا على وجه الخصوص.
تمتلك امبراطورية اليابان تجربتها الخاصة على المستويين، – سواء لجهة تعرضها لقنبلتين نوويتين على هيروشيما وناغازاكي من قبل الولايات المتحدة الأميركية عام 1945، – أو لجهة معالجة آثار هذه الكارثة التي تعد واحدة من أقسى كوارث العصر الحديث، والتي أدت إلى مقتل ما يقدر بمائتين وعشرين ألف ياباني في المدينتين بشكل مباشر أو متأثرين بجراجهم، وتأتي الخصوصية اليابانية من طريقة التعاطي مع الحدث الجلل، وتحليله، واتقان تفكيك أسبابه، ما جعل خروجهم من دائرة التقوقع داخل آلامهم إلى حيز الحل المباشر على صعيدين أيضاً:
– أولهما، إخراج مجتمعهم من فكرة العداء مع آخر نتيجة وصلت إليها الحرب العالمية الثانية، وهي الخسائر البشرية والدمار الذي تسببت فيه القنبلتان الذريتان الأمريكيتان، واعتبار النتيجة مرتبطة بمسبباتها، وهي تعنت حكومة “سوزوكي” رئيس وزراء اليابان آنذاك، وتجاهله المهلة المحددة لاستسلام بلده أمام قوات الحلفاء دون أي شروط، وهو الأمر الذي فعلته تلك الحكومة بعد ستة أيام من القنبلة النووية، أي توقيع وثيقة الاستسلام، ولكن بعد دفع الشعب الياباني ثمناً باهظاً لعدم إدراك حكومتهم قيمة التوقيت المناسب للاستلام، وإعادة تقييم المواقف والقدرات. إلا أن ذلك التوجه أيضاً واجه بعض المعارضات وأبقى على الجدل حول هذه المبررات قائماً، لكنه لم يرق ليشكل نموذجاً مؤدلجاً في مواجهة الرأي السابق.
– وثانيهما، القبول بمساعدة الولايات المتحدة الأميركية التي كانت خصمهم في حرب نوعية، استخدمت فيها سلاحها النووي دون أي وازع إنساني لتكون أرضهم حقل التجربة العملية له، ولتصبح كلا المدينتين (هيروشيما وناغازاكي) عبرة لمن يسعى إلى استخدام السلام أو تصنيعه، ومع ذلك فإن العمل الجلل الذي قامت به اليابان في مجال التعافي الاقتصادي، أو إعادة الإعمار في بلدهم للنهوض من كبوتهم، هو الاعتراف بالواقع الاقتصادي كما هو، أي  دون تجميل أو صناعة أكاذيب حوله، إذ تم توصيف الواقع الداخلي بتفاصيله، ووضعت استراتيجية للتعاطي معه كواقع قائم يتم على أساسها البدء بعملية التنفيذ، ومراقبة مراحلها في حالة ايمانية مطلقة بقدرة اليابانيين على صناعة مستقبلهم،  رغم ما يمكن تلمسه من دور هو أكبر للولايات المتحدة الأميركية من مجرد مساعدة تقدم لهم، لكنه لا ينفي في أي حال الحقيقة، حول معجزة اليابان الحضارية على كل المستويات الصناعية ولعل أهمها صناعة السلام الداخلي والعمل على تصديره للعالم.
وعلى ذلك، فإن جمع المتحاورين السوريين – نشطاء مجتمعين أو إعلاميين أو حتى مقربين لجهة ذات نفوذ يعملون على ضفتي الصراع- من (مولاة ومعارضة) على طاولة يابانية وفي أجواء من تجربة مهمة في صناعة السلام والإعمار “ناغازاكي”-مع أهمية المحاولة- لإحداث عملية “تصديع جدران الفصل الشعبي”، الذي أنتجه منطق (إما معي أو ضدي) فإنه لن ينتج حالة جديدة ما لم تتحول تلك “الطاولات الحوارية” من أماكن للتمترس خلف المرجعيات السياسية، والتبريرات التي لازمت موقف كل طرف منذ بداية الثورة في احتياجاتها المحقة باعتراف كل الأطراف الداخلية من رأس النظام حتى مواليه، ومن ثم حالة الإنكار لها، وتحولات الصراع الإنسياقية من مبدأ الفعل ورد الفعل، والتدخلات الخارجية التي سمحت لنمو أطراف متشددة مدعومة بأجندات دولية أو دينية، مارست أدواراً مشبوهة واعتداءات منظمة على الثورة في مفهومها أولاً، وضد ناشطيها ثانياً، ما جعل قدرة الدول في التحكم تنمو وبالتالي كبلت جميع الأطراف، وأخرجتهم من المعادلة ليصبحوا في موقع المفعول به فقط.
ربما لا تمتلك الفعاليات المجتمعية التي اجتمعت وستجتمع لاحقاً، القدرة على إنهاء حالة تدويل الصراع السوري، لكنها تستطيع التصدي لتحدياتها السورية الداخلية بدءاً من إتقان شرح الواقع كما هو، دون “تذويق” النكبات المجتمعية، والرضوخ لانسجامها المزعوم، أو التعتيم على الانهيارات الاقتصادية والتعاطي مع أخبار وهمية لعلاجها، والأهم  من ذلك البحث في مفهوم السيادية الوطنية، وأين موقعها في ظل احتلال سوريا من خمسة جيوش وأكثر، تقرر مصير السوريين ، لنصل بعد كل الإعترافات -كما فعلت اليابان- إلى كتابة خطتنا الوطنية في النهوض الوطني على كل مستوياته، بدءاً من لم أشلائنا المجتمعية، فهل تفعلها اليابان؟

*كاتبة سورية