الصفحة الرئيسية رأي وتحليل سوريون جمعهم الساروت وفرقهم مرسي

سوريون جمعهم الساروت وفرقهم مرسي

 

تعود الاصطفافات السياسية والايديلوجية لتطفو من جديد على السطح في حدية بينية بين السوريين، بعد موت الرئيس المصري السابق محمد مرسي العياط خلال جلسة محاكمته الأخيرة (17/6) حيث اعتبره قسم من الراثين له: شهيد الديمقراطية المغتالة على يد العسكر، في حين وضع بعض آخر مرسي على لائحة ضحايا حزب “الإخوان المسلمين” الذي ينتمي له، معتبرين ممارسات الحزب هي التي أودت بحياة ممثله في الرئاسة المصرية، وفي انقسام ثالث كان الحزن السوري من منطق عدم شرعية الإجراءات المتخذة بحق رئيس منتخب، بغض النظر عن عدم وجود تعاطف مع حزبه من هذه الفئة التي تقف على ضفة نقيض للإخوان المسلمين، لكن دون أن يتأثر موقفها الإنساني وكذلك القانوني الرافضين للانقلاب العسكري كوسيلة لتولي السلطة، وظروف الاعتقال في “شروط غير إنسانية” حسب تصريحات منظمات حقوقية.
أي أنه بعد نحو أسبوع واحد من التشييع الشعبي الكبير للشهيد عبد الباسط الساروت الذي توفي متأثراً بجراحه في (8/6)، وشبه الإجماع على شخصه كرمز ثوري شعبي، والاحتفاء الإعلامي الكبير والمتنوع (مع أو حتى ضد) الذي لم يسبقه حدث مثيل خلال الثورة السورية، جاء رحيل المرسي  لشق حالة شبه الوفاق التي جمعت أغلبيتهم عند استشهاد  الساروت، ولم تتأثر كثيراً بأصوات قليلة قللت من شأن رمزيّته وشعبيته، وقدرته على تمثيل مسار الثورة بعفويتها وانزياحاتها، وإصرارها على الاستمرار رغم كل الأهوال التي أحاطت بها، والأخطاء التي ارتكبها من تسلق عليها وبها، وحجم التلاعبات الخارجية بها، وكانت الملاحظات الرئيسية عليه هي تحولاته القسرية التي فرضتها طبيعة العنف الذي استخدمه النظام من جهة، والخيارات الوحيدة التي تركت للسوريين في الداخل، في ظل هيمنة التنظيمات المتطرفة المدعومة خارجياً على قرار المواجهة مع النظام، وفرض شروطهم المجحفة على من رغب من السوريين -ومنهم الساروت- التمسك في أرضه وموقفه من عنف النظام السوري، دون أن ننسى بساطة الشاب الرياضي وعمق انتمائه لبيئته وخياراتها.
وإذا كانت حادثة استشهاد الساروت أبعدت إلى حين، وبدرجات متفاوتة، معظم حالات الاصطفافات التبعية السورية بين محوري الصراع الخليجي العربي (السعودية ،الإمارات ومعهما مصر، في مواجهة قطر وتركيا)، إلا أنها في حالة وفاة “مرسي” ظهرت جلية وواضحة، واستند بعضها في ذلك إلى حالة الرقابة الشديدة التي تمارس على التواصل الاجتماعي والعقوبات المتشددة حيال الناشطين السياسيين فيها في بعض الدول، في حين أرجع بعض السوريين حالة رفض التعاطف السوري مع مرسي إلى تبعيتهم الايدلوجية المعادية لحزب الاخوان المسلمين، حيث يحملونه مسؤولية حرف الثورات العربية في بلدان الربيع العربي، ومنها سوريا، حيث يتهم أعضاء الاخوان بالهيمنة على كيانات الثورة السورية، وعلى رأسها الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، والمسؤول حسب توصيفات كثيرة عن فشل قيادة الثورة السورية، والذهاب بها إلى حيز الارتهان للدول الإقليمية الداعمة للأخوان، ويعد مسار أستانة أحد أهم الأدلة على تورطهم باتفاقيات مشتركة بين تركيا وإيران وروسيا، والتي أدت إلى خسارات كبيرة صبت في مصلحة النظام السوري.
إلا أن اعتبار بعض السوريين أن الموقف الذي اتخذه المجتمع الدولي في مساندة “الانقلاب العسكري” في مصر جاء نتيجة وقوف الرئيس محمد مرسي مع الثورة السورية يكاد يعتمد على نظرية أن سوريا هي مركز الكون، وأن ما يحدث في العالم من تجاذبات وتنافر ينطلق من قرب أو بعد الأطراف من الثورة السورية أو ضدها، متناسين أن ذات الأطراف الصديقة للشعب السوري، أو الداعمة لفصائل المعارضة، هي ذات الأطراف المتوافقة مع إيران عدو الثورة السورية والداعم للنظام السوري في حربه ضد المتظاهرين منذ الأسابيع الأولى للثورة، أو العكس، أي أن بعض مدعي دعم الثورة هم الأطراف التي أسهمت في مد عمر الصراع السوري، وتحالفت مع ذات “الانقلاب العسكري المصري”، وهي في الآن ذاته تقف في مواجهة التمدد الإيراني في سوريا والمنطقة، أي ان علاقات الدول لا تنطلق  وفقاً لـ”عواطف السوريين”، سواء كانوا أنصاراً لها، أو تابعين سياسيين، أو حتى من الخصوم، وهو الأمر الذي لم يدركه كثير من السوريين، أو أنهم لا يريدون إدراكه للبقاء على قيد الأمل بوجود ما يسمى الضمير الدولي.

*كاتبة سورية