خولة سمعان*
إن للروح رغبات واحتياجات، فإن تُركت التهمت غثيث الحاضر، وما من غذاءٍ يضاهي الفن للروح، فهو يسمو بها نحو الأجمل والأفضل وينقّيها من شوائب الحياة المعاشة، ويحرّض فيها ذاك التوق إلى الحرية والجمال.
قد عرفت المجتمعات الإنسانية أهمية الفنون ودورها في تقدمها ونهضتها، ورأت مقدرتها على توجيه الجماهير وصقل وعيهم العام، وقد وظفت – في أحيان كثيرة – الفن من أجل عبور مرحلة أو إنجاز غاية ما، من هنا حرصت بعض الجيوش قديماً على إحضار الطبول والمزامير إلى ساح الحرب معها، من أجل بثّ الحماس وروح الإقدام في معسكراتها، وفي أحيان معينة تعتمد الموسيقى كعنصر فعّال في العلاج النفسي، كما تعتمد النظم التعليمية والدراسية الفن كوسيلة معرفية وتربوية.
و ربما تآخت الأغنية الوطنية / السياسية مع طبول الجيوش في وظيفتها تلك، إضافة إلى مهام قيمية أخرى، فقد ازدهرت الأغنية الوطنية في عصرنا الحديث بشكل ملحوظ، و ذلك لنجاحها في تأدية الدور المناط بها كما أثبتت ذلك تجربة سيد درويش الخالدة، و من ثم الثنائي الشيخ إمام و الشاعر أحمد فؤاد نجم اللذين نقلا الأغنية الوطنية إلى الضفة السياسية بالكلمات البسيطة المفهومة الساخرة و الألحان البديعة المستلهمة من التراث الشعبي، فتمكنا من قلوب و عقول الجماهير في مصر و في عموم الوطن العربي، إذ استطاعا ملامسة هموم الناس و الوقوف عند آلامهم و التعبير عنها بطريقة طريفة و ذكية، حتى أنهما ساهما في بلورة الرأي العام، مما جعل اسميهما يرتبطان بانتفاضة 1977 في مصر.
أدرك الحكام أهمية الأغنية السياسية ومقدرتها على توجيه دفة الجماهير وتكوين عواطفهم، فعملوا على مصادرتها لحساب الوطن، و في الحقيقة لم يكن يعني الوطن سوى الحاكم نفسه (كما في حالة جمال عبد الناصر)، و في عشوائية الخلط المقصود بين الوطن و الحاكم ظهرت أغنيات عديدة تمجد الحاكم بشخصه و تعدد مزاياه و تتغنى بانتصاراته. هذا النهج سيصبح ظاهرة طبيعية لدى معظم القادة العرب، حيث وقف المغنون في كل بلدٍ و قطرٍ يتغنون بحاكمهم و أمجاده ، حتى تلبّست الأغنية السياسية / الوطنية لباس الوطن / الحاكم القائد سيد الفن و المجد.
في سوريا ظهرت الأغاني و الأناشيد الوطنية في فترة الاستقلال بشكل واسع، و كان لها وقع مؤثر في أبناء جيلها، من مثل (يا ظلام السجن خيّم) للشاعر رياض نجيب الريّس، و قصائد عمر أبو ريشة و خليل خوري و بدوي الجبل و خليل مردم بك و آخرين.. فقد شاعت أغانٍ بديعة و مهمة آنذاك و باتت تُردد على كل لسان، من مثل (من قاسيون أطلُّ يا وطني) و (بلاد العربِ أوطاني) لفخري البارودي. فكانت الأغنية في تلك المرحلة شاهداً حضارياً يوثق عزيمة النهضة و الاستقلال و السعي نحو العلا. و هذا تصديق المقولة التي تقول : (أن الفن مقياس شفيف و صادق للتغييرات السياسية و الاجتماعية في وعي المجتمعات).[1]
فإن نحن تأملنا الكلمات الفخمة و المترعة فخاراً و شمماً و ثقةً لأي قصيدة من التي ذكرت، إنما سنذكر تلك الوثبة العربية التي سُميت بالنهضة الحديثة، و التي تزامنت في أواخر القرن التاسع عشر و أوائل القرن العشرين، و سطعت أنوارها في عهد استقلال البلاد العربية بلداً تلو الآخر ، و التي سرعان ما تعثرت و تبددت بإنجاز الاستقلال .
كما راجت فيما بعد، في فترة الوحدة مع مصر أغان وطنية مشتركة، و لم يكتب لها أن تعمّر طويلاً كونها وليدة الظرف الحالي (الوحدة) التي انهارت في عمر قصير كما نعلم.
بالتأكيد، تستطيع الأغنية الناجحة الدخول إلى قلوب الناس كما تستطيع الرسوخ في عقولهم، بل هي تعمل في نفوسهم أكثر مما تعمله الكلمة العادية، بفضل اللحن، و بفضل البلاغة المفترضة فيها و بفضل الترديد المستمر، فتستطيع تعبئتهم و صقل وجدانهم و تشكيل القيم الإضافية و توجيهها، و قد ورد في أحد اللقاءات التلفزيونية مع الموجي الصغير[2] أن الرئيس جمال عبد الناصر قال لعبد الحليم حافظ : ” أنت أكثر قدرة مني على التأثير في الناس بأغانيك.”
إن هذا الوعي بأهمية الأغنية السياسية من قبل الحاكم سوف يؤدي إلى خنقها كما سنرى، حيث ستتحول إلى أغنية تبالغ في تمجيد الحاكم و في استعراض قوته و هيبته و مآثره الشخصية، و سوف ينحسر دورها الأهم من إشباع الرغبات الروحية للجماهير إلى إشباع رغبة الحاكم في مدحه و إظهار عظمته.
لقد شهدت الفنون كافةً في سوريا منذ استلام حزب البعث السلطة فيها تقنيناً مأطراً، في السينما و المسرح و الموسيقى، حتى إذا بلغنا ثمانينيات و تسعينيات القرن الماضي سنفتقد ملامح الطرب المحلي السوري، لولا وجود عمالقة لا يمكن اقتلاع فنهم الأصيل من أمثال صباح فخري و صبري مدلل.. و تركزت الأغنية السياسية في خدمة السلطة، فتوحدت مع أناشيد الوطن و الحاكم في آن واحد ( نذكر أشعار محمد مهدي الجواهري التي غنتها ميادة الحناوي و أصالة نصري. )
في تلك الفترة كانت لبنان تعاني حرائق الحرب الأهلية، و قد أخذت تبرق في ظلمات الدمار كوكبات فنية وطنية عظيمة، لم يقتصر أثرها على لبنان، بل شعّ على الوطن العربي كله، مثل مرسيل خليفة و أحمد قعبور و خالد الهبر و سامي حواط ، حتى أن برامج زياد الرحباني الإذاعية، و هي برامج كلامية، تم تسجيلها على كاسيتات و أخذت تنتشر بين الناس كما تنتشر المناشير الحزبية، لا في لبنان فحسب، بل في الوطن العربي كافة.
في سوريا لمعت تجربة فريدة ذات ملامح ناصعة، و نقصد تجربة الثنائي فهد يكن و رضوان رجب، اللذين استطاعا تقديم اغنية وطنية بمدلول راقي و شجاع و بفهم عال للإنسان السوري و همومه و آلامه في تلك الفترة، بالرغم من إمكانياتهما المتواضعة تقنياً، فقد كان الصوت العذب للفنان فهد يكن و القدرة الموسيقية البارعة للموسيقار رضوان رجب، التي تجلّت في الألحان و العزف على العود المرافق للأغنية، إضافة إلى كلمات الأغاني المنتقاة بعناية، و معظمها لكبار الشعراء من أمثال محمود درويش و نزيه أبو عفش و عبد الوهاب البياتي و علي الجندي و ممدوح عدوان.. كانت تلك التجربة كنجمة لمعت في سماء البلاد، غير أن لمعانها لم يدُم طويلاً، فقد توقف الثنائي (يكن، رجب) و هما في القمة بعد أن حققا نجاحاً كاسحاً في أغنياتهما التي حفرت  في أذهان الناس حتى يومنا هذا، و أثبتا أن العقل العربي ليس كما يُشاع عنه ( أصمّ لا يقرأ ولا يسمع. )[3] بدليل التفاف الجماهير الواسعة في الأمسيات التي كانت تقام، و بترديد أغانيهما الرائعة التي نذكر منها ( عنقي على السكين يا وطني ) و ( وحيداً ) و جوهرة أعمالهما ( احتجاج طيب السريرة ).
إن العقل يحتاج إلى تحريض كي يعمل، فليس هناك بنية تشريحية خاصة للعقول العربية او الغربية، غير أن البيئة بما فيها من عوامل محرضة أو مثبطة تلعب دوراً في توجهات العقل عامة و في إشباعه و توجيهه.
إننا نلحّ على موضوع الفن بكل تنوعاته، و نخص هنا الموسيقى و الأغاني من حيث أنها صدى تنفس الكون و بزوغ الفكر الإنساني و تفتح وعيه، إنها لغة العقل والقلب معاً التي يفهمها الجميع، أي انها الأكثر قدرة على تعبئة الجماهير و الاستحواذ على ألبابهم و تحريك فهمهم و بلورته، بما له من موقع عميق في العواطف الإنسانية، و لأن (الأغنية السياسية) قادرة على الإشارة إلى الأوضاع الرديئة للشعوب و تعريتها و تنبيه الجماهير من أجل رفضها و العمل على تغييرها، إذاً هي ذات صلة غير مباشرة بتشكيل العلاقات الاجتماعية و السياسية. و هذا ما يشير إليه النقاد و الباحثون قائلين[4] “حين يتدنى الفن تتدنى طبيعة العلاقات الاجتماعية بتأثير هذا التدني.”
و قد حدث هذا بالفعل حين صادرت الدولة الفنون، و قامت بتعليبها في مؤسسات رسمية (المديرية العامة للسينما) (نقابة الفنانين) (اتحاد الكتاب العرب) بغية مراقبة أنفاسها و توجيهها نحو مجرى واحد لا غير، ما أدى إلى موات الكلمة و حشرجة اللحن و جمود الفن.
في الحقيقة ينبغي للحكومات القهرية أن تنتبه إلى خطورة الفن، كونه يجمع – كما أسلفنا – بين الامتاع و التحريض، إنها معادلة لا تنمو إلا في مناخ الحرية، لذا نجد ما تبقى من فنون لا يعدو كونه ملهاة سطحية لا يستطيع أن يسمو بقيم الجمال و الفضيلة كأغاني الكراجات و الأسواق و أغاني الملاهي الليلية التي انتشرت في أواخر القرن الماضي و باتت مع بدايات القرن الواحد و العشرين أغاني الشارع السوري عامة، اغاني التاكسي و الباعة و الحفلات و مجمل محافل الجماهير العريضة.
حين قام الحراك الشعبي في 2011 وعى أهمية الأغنية المرافقة لحراكه، فاستلهم الناس أهازيج من التراث الشعبي و قاموا أحياناً بتعديل الكلمات وفق ألحان معروفة و مشهورة، فانتشرت تلك الأهازيج انتشاراً ملحوظاً.
و حين استولت القوى الدينية على المشهد الثوري قامت هي الأخرى باستبدال الأغنية – الأهزوجة السياسية بهتاف ديني على شكل المدائح النبوية وفق ألحان نمطية و كلمات تحضّ على الجهاد و تبشر بالنصر و الجنة و تمجد الشهادة، ما ساعد على نشر ايديولوجيا القوى الراديكالية لاحقاً./
و يمكن القول أن الساحة باتت فارغة و لا سيما بعد أغنية سميح شقير (يا حيف) التي ألهبت وجدان كل سوري فحفظها و رددها متأثراً إلى حدٍ بالغٍ بكلماتها الموجعة و لحنها الشجي.
لا ننكر ولادة مبادرات فردية في محاولات طيبة اتكأت على وسائل التكنولوجيا الحديثة لافتقاد القنوات الاذاعية و التلفزيونية التي لا بد منها من أجل انتشارها و وصولها إلى الناس، و هي تجارب تجسد معاناة اللجوء أو الحياة في ظل العسف و الجور، نذكر منها اغاني وصفي المعصراني و اغاني فرقة ابطال موسكو، و مازن اوطة باشي، و فراس إمام و آخرين.
بالطبع لا ننسى الموسيقار مالك جندلي و مؤلفاته الموسيقية الراقية التي تشدو باسم سوريا، و هي مقطوعات موسيقية لا تصحبها الكلمات إلا فيما ندر، و لربما هنا تكمن علّة عدم انتشارها بين الناس.
كذلك لابد من التنويه إلى بعض المحاولات التي ظهرت بعد الحرب السورية، و قد جاءت ضمن سياق تسلق تيار الثورة، مدعية النضال و الوقوف إلى جانب الناس المقهورين، و هي محاولات تهريجية مكشوفة لا يمكنها الوصول إلى قلوب الناس لانعدام مصداقيتها.
لقد بقي الشعب دون وطن و دون سند و دون أغاني تخفف عنه همه و تنير تفكيره و تقوي عزيمته، هكذا هو متروك لحفنة من الدعاة الدجالين الذين دأبوا على حشو دماغه بالمواعظ المغلوطة مستفيدين من كافة وسائل التواصل الاجتماعي ( إن نظرة على رسائل الاستغفار و الذكر الرحيم و الجمعة المباركة المنتشرة عبر الواتس آب تؤكد ذلك ) و في النهاية يقول لك : انشرها لعشرة أشخاص، و إن لم تفعل سوف يمسخك الله في الحال.
إن سيطرة النظام الأمني على البلاد لعقود طويلة حرمها من مقدرات هائلة و مواهب كثيرة و كفاءات عظيمة، ما أدى إلى إخفاق العمل السياسي بصفة عامة، و وأد الأغنية الوطنية / السياسية الحقيقية التي تستطيع طرح التناقضات الحياتية و إعلاء القيم الإنسانية الكريمة.

—-

[1] اسماعيل ناشف – استاذ العلوم الاجتماعية بمعهد الدوحة

[2] لقاء مع نجل الملحن الموسيقار محمد الموجي مع منى الشاذلي

[3] حكيم المرزوقي – تونس – جريدة العرب.

[4] ريهام المقادمة – الحياة الجديدة – بين الفن و السياسة