بين ألسنة النيران المتصاعدة ودخان القش والعشب الممتزج مع الأنفاس، يقضي أبو محمد يومه برفقة زوجته وبقية العمال وهم يحرقون سنابل القمح الخضراء بعد تجفيفها، لإنتاج نوع من أنواع الطعام له أهميته الكبيرة بسبب طعمه المميز. “الفريكة” أكلة شعبية ذات تاريخ قديم وأصيل، جاء اكتشافها بعد صراع كبير بين طوائف وأجناس على مر العصور، حيث لجأ كل طرف إلى حرق محصول القمح للطرف الآخر قبل نضوجه، ومن هنا اضطر أحد الأطراف لتذوق طعم القمح بعد حرقه فكان الاكتشاف وأصبحت هذه الأكلة متداولة ومشهورة بشكل كبير.

مصدر رزق موسمي

أطراف الطرقات وساحات عديدة في ريف حلب ملأى بسنابل القمح الخضراء، تحوي حبات قمح رطبة منشورة على الأرض لتتم عملية تجفيفها ومن ثم حرقها.

ويشرح حامد أبو محمد وهو أحد العاملين في إنتاج هذا المحصول لـ”بوابة سوريا” طريقة التجفيف وأساسيات العمل: “نعمل مع مجموعة كبيرة من العمال في مناطق ريف حلب الغربي والجنوبي كورشة متناسقة لضمان المحصول منذ البداية وصولاً إلى جرشه، لتنتج عنه أربعة أنواع ومستويات من الفريكة الخشنة والناعمة، إلى جانب الطحين والنخالة المستخدمين كعلف للحيوانات، كما أن صاحب الورشة يقوم بدفع مبلغ مالي معين لصاحب الأرض مقابل قص سنابل القمح والتصرف بها لصالحه، وبالمقابل تؤمن هذه العملية للفلاح دخلاً مادياً”.

ويتابع: “نقوم بقص السنابل عبر الحصادة المخصصة لجني هذا المحصول، ما يوفر علينا وقتاً وجهداً كبيراً، ويتم نقل السنابل عبر السيارات إلى حواف الطرقات والساحات العامة بعد تنظيفها من الغبار والحصى، ومن ثم تُفرَش يوماً كاملاً لضمان جفافها بشكل كلي، وهنا تبدأ عملية الحرق، حيث نقوم بارتداء ولف أقنعة وقطع قماشية على وجوهنا للوقاية قدر المستطاع من الدخان الأسود المتصاعد من القش، وبعد الحرق يتم فرز السنابل غير المحروقة لتتم إعادة حرقها وتؤخذ البقية إلى آلة “الدراسة” لفرز القشرة الخارجية عن لب الحبة ومن ثم تجفيفها بشكل كامل على أسطح المنازل، لنقوم ببيعها في الأسواق بسعر يتراوح بين 700 – 800 ل.س للكيلو الواحد بحسب جودتها ودرجة خلوها من الشوائب، وقد يتخطى السعر 1000 ل.س في فصل الشتاء نظراً لقلتها في هذا الفصل، فالفريكة مصدر رزق هام وأساسي ننتظره كل عام” .

مصاعب كثيرة تواجه اليد العاملة في هذه المهنة، أولها الحر الشديد وصعوبة العمل في ظل ظروف معيشية صعبة تجبر العامل على العمل الشاق في سبيل تأمين مبلغ مالي بسيط، إضافة إلى غلاء سعر اسطوانة الغاز، ومع غلائها يضطر العمال لجمع أكوام القش وخلطها بالمحصول لتساعد في عملية الحرق كحل بديل، كما أن عدم وجود مكان مخصص لحرقها يزيد من مشاق العمل لاختلاط شوائب كثيرة بين القش والسَّبل، ما يجبر العامل على التدقيق بشكل أكبر وإزالة أي شائبة حتى لا تنقص من سعر البضاعة، بحسب أبو محمد.

من جانبه يتحدث المزارع أنس محمد عن موعد قطع المحصول والفائدة التي يجنيها المزارع في ذلك: “تعتبر بداية شهر نيسان من كل عام موعداً معروفاً لموسم الفريكة الذي يستمر لمدّة شهر وربما 40 يوماً، لكن تأخر قليلاً هذا العام نتيجة الهطولات المطرية الغزيرة التي أصابت عموم مناطق الشمال السوري، فموسم قطع الفريكة هو خير للمزارع وللطرف الآخر “الضامن” حيث يؤمن للفلاح فرصة لزراعة أرضه بمحصول ثانوي آخر، ويضمن عدم احتراق محصوله بسبب قذائف المدفعية والقنابل الضوئية التي تتعمد قوات النظام إطلاقها وقتَ نضوج ويباس المحاصيل، كما أن الحصول على مبلغ مالي في وقت يكون المزارع بأمس الحاجة إليه شيء جيد إلى حين جني باقي المحاصيل، ويتراوح ضمان الهكتار الواحد بين 550 – 750 ألف ليرة سورية”.

القمح القاسي هو الأفضل

يوجد للقمح نوعان: طري وقاسٍ، والقمح القاسي هو الأفضل لإنتاج الفريكة، ويبلغ معدل إنتاج الهكتار الواحد من محصول الفريكة 2,5 طن، في حين لا يتم استخدام القمح الطري لأسباب أهمها تلون الفريكة الناتجة عن القمح الطري بلون أخضر مائل إلى السواد، وبالتالي يكون تسويقها صعباً، ما يجعل سعرها منخفضاً ولا تعود على الضامن أو المزارع بالربح والفائدة الجيدة” .

رحلة إنتاج الفريكة من القمح القاسي تكتسب أهمية كبيرة لدى سكان الريف الحلبي، حيث ينتج الدونم الواحد من القمح 150 كغ كمعدل وسطي، كما أن كمية الأسمدة والأدوية التي يقدمها المزارع للمحصول تلعب دوراً كبيراً في زيادة الإنتاج بالإضافة إلأى كبر حجم الحبة، ما يؤثر إيجابياً على المزارع، بحسب الخبير الزراعي حاتم خطيب .

ويلفت الخطيب إلى أن إنتاج الفريكة من القمح القاسي يأتي في مرحلة تسمى “مرحلة النضج الشمعي”، حيث تكون سبلة القمح ذات لون أخضر، ومع انتهاء شهر نيسان يبدأ القمح بالاصفرار، ولا يمكن إنتاج الفريكة منه حتى تبدأ عملية اليبسان وتتحول السبلة من اللون الأخضر إلى الأصفر، كما أن نسبة الرطوبة في سبلة القمح وهي خضراء تصل إلى 50%، وتتناقص وتقل أثناء عملية الجفاف التي تصيبها عند اليبسان إلى أقل من 10%، وعندها تجري عملية الحصاد المعتادة في نهاية كل موسم زراعي.

مصدر غذائي مفيد ودخل مادي لا بأس به. ويتذكر العاملون في هذا المهنة المثل الشعبي: “خبي قرشك الأسود ليومك الأبيض”، كناية عن معاناتهم الكبيرة نتيجة عملهم في هذا المجال، نتيجة اختلاط دخان قش المحصول بثيابهم وأجسادهم، كما أن فيه إشارة إلى الحالة التي يبدون فيها نتيجة العمل المتواصل وسط ألسنة النيران.