الصفحة الرئيسية المدونة مرثيّات واسعة الطيف.!

مرثيّات واسعة الطيف.!

 

تحذير: قبل قراءة هذا المقال، اعلم أن كاتبه مُتهم بالتطرف، كما ثلثي الشعب السوري مُتهم، فإن لم تكن طويل البال، أو كنت من أصحاب القلوب المُلوّنة، فابتعد ولا تقرأ، عد من حيث جئت!. هنا لا نرد على أي من اللذين خاضوا برثاء عبدالباسط الساروت بكلام يؤذي المَفاصل والرّكب، ولكن نحلل ما قالوا، وبما أنني مجرد سوري يُحبّ الـ “فاينة”، فلابد من الوقوف قليلاً على ما قرأنا في الأيام القليلة الماضية وما كتب البَعض عن الساروت، ونقولها على طريقة إحدى المؤسسات النخبويّة “وجب التنويه” .!
في عملية غير مقصودة وغير موجّهة بخلق رمز للكفاح و الثورة للسواد الأعظم الغير منتمي لأي تيارات يساريّة أو اشتراكية أو يمينية أو حزبية، والغير حامل لأي أيديولوجيا غير الفكر الشعبي المتعمّق في الإرث والثقافة السائدة، ذو الفطرة السليمة والتديّن العام، ما لا يمكن تأطيره بدفاتر حزبية ولا قوائم سياسية، ولا يمكن تسميتها إلا “بروح الشعب”، منح كل من الساروت ومحبيه، بعلاقة متبادلة غير مشروطة، رمزية نقية للكفاح والثورة، لكل جمهور الثورة. الأمر الذي بقدر ما كان عفوياً وينطوي على أكبر قدر من الكمال كمنظومة شاملة لكل تفاصيل الأسطورة الشعبية، بقدر ما كان واعياً لكل تفاصيل المجتمع الثائر بل و المؤيّد أيضاً. وبقدر ما كان هذا التشكيل الرّمزي مُؤلماً جداً لشريحة ضيّقة والتي لا تنتمي إلا لـ “نخب القيادة من الخلف”، فكان هذا المرسوم الشعبي بأسطرة الساروت خادشاً لكل ما جهد هؤلاء على تحصيله وترتيبه في أذهانهم على مر السنين من تراكميات تاريخية وقوميّة وحزبيّة وتنظيرية الخ.
فلو فكرنا بعقلية هؤلاء (الذين نحن منهم أحياناً)، لا يُكون من السهل علينا قبول اكتساح رمز جديد بهذه النقاوة التي تصل حد المُبالغة لدى البعض، لتلك المنظومة الفكرية التي تشكلت على مدى عقود، حتى صارت عقيدة راسخة غير قابلة للتبديل أو التكرار، لهذا نرى البعض، عن غير قصد، لا يَجد ما يُشبه به الساروت إلا “غيفارا”، بحالة دفاعيّة، لاشعورية أحياناً، عن رمزية يُخشى عليها أن تُستَبدل .! فهل تقبل هذه الشريحة من الرافضين بصعود رمزيّة من غير الصفوف النخبويّة و أن يتقدمها حارسُ مَرمى ؟!
طبعا لا نعترض على الحق الإلهي بالتغريد على فيسبوك وتويتر، وأن يقول هؤلاء ما يَروه في الساروت و يُوَصّفونه كما يشاؤون، بداية من “الضحيّة المُغرر بها” حتى “الشاب البسيط الذي لا يَعي ما يفعل” .! مروراً بجميع التوصيفات الأخرى والتي يحمل بعضها طابع طبقي وآخر عنصري، الى آخر القائمة من الوسوم و الأوصاف المضرّة بالصحّة … ولكن يَحق لنا، نحن الذين حَلُمنا بهكذا رمز “ابن بلد” أن نحلل و نُنقاش ما يقوله الآخرون بل وندافع أيضاً عن رمزنا الذي استحققناه بالدم والهجرة ..
في أحد التسجيلات الطريفة للساروت، يقول له رفيق سلاح: تخيّل أن لديك خطيبة، ماذا تقول لها من الغزل؟ فيبتسم الساروت ويُسهم لبرهة ثم يجيب بذهنية الثائر الحاضرة دوماً ويقول: “يا بَعد قلبي، الموت حَق، وآني بدّي حَقّي” .. كانت هذه الجملة حجّة لبعض المثقفين على أن الساروت لم يكن من طلاب الحياة، بل كان يحمل ثقافة موت واستشهاد ! وهذا حجة على القائلين بقصر النّظر. عَزيزي يا مُحتسي القهوة من القطرميزي: هذه ليست ثقافة مَوت، بل هي ثقافة حياة واستمرار، فالرجل يضع شرط خطبته المُفترضة، أن تتحمل هذه الفتاة حياته السّاعية للحريّة و الثورة، والتي تنطوي على احتمال الموت من أجلها، وهذا معنى سامي آخر للإصرار على الحريّة، فإن قَبلت “الخطيبة” الشرط استمرت الحياة وتزوجها. فهي رسالة حُب وشرط حياة وليست وصيّة مُنتحر .. إن فهمتها عكس ذلك فهذه مشكلتك العَصيّة، اتخذ لك زاوية واحتسي بعض القهوة، فلربّما فتح الله بصيرتك فتفهم .!
شعراء و سياسيون وفنانون وصحفيون، كثيرون من غصّ بهم القلم أن يعترفوا بمدّ الشارع على جُزرهم الصغيرة، التي يعتزلون بها “العوام”، ويكتفون بإرسال قوارب التنظير المُتعالي في كلّ مناسبة. حقيقة لم أتفاجئ كما الكثيرون مما قيل ظلماً في وصف الساروت، بل وكنا ننتظر كما في كل استحقاق جماهيري، لنرى ما ستُبدعهُ شريحة غير مُنضبطة ولا مُصنّفة، من التغريدات التي لا تنفع الخلّ ولا الخردل، لتتكشف وجوه جديدة، وتطفوا أخرى كانت قد طواها النسيان. فيجهر بعضهم، ويختبئ بعضهم خلف مَراثي ملوّنة، ذات آثار جانبية، تماماً كأدوية الزّحار .. واسعة الطيف ..!

*صحفي سوري