“اللتر بليرة والعداد بيحسب. تحتاج العائلة الكبيرة لأكثر من 700 ليتر يومياً من المياه لا سيما أننا في فصل الصيف، وهذا يعني أنني مضطر لدفع قرابة 20 ألف ليرة سورية بشكل شهري”.

بهذا يجيب أبو محمد على سؤالنا حول معاناته من تكاليف تأمين مياه الشرب. أبو محمد نازح من مدينة كفرنبل ومقيم حاليا في إدلب، لكن اختلاف سعر المياه بين المنطقتين ترك الكثير من المخاوف لديه من إمكانية استمرار إقامته في إدلب المدينة.

التكلفة التي كان يدفعها أبو محمد في شهر كامل بكفرنبل، قد يدفعها خلال أسبوع واحد في إدلب، إذ يعاني الناس من ارتفاع أسعار مياه الشرب في المدينة، حيث يباع صهريج المياه بسعة 5 متر مكعب ب 5 آلاف ليرة في إدلب المدينة بينما يباع في كفرنبل بسعر 1500 ليرة.

مستويات الأزمة

لم تكن مدينة إدلب من المدن التي تعاني شحاً في المياه في الفترة التي سبقت عام 2000، ويتضح ذلك من خلال خزانات المياه الصغيرة المتواجدة في المنازل، وهذا ما أكده فايز الأحمد (أحد أبناء المدينة) بقوله: “لم نكن نحتاج خزانات المياه المعروفة في المنازل في وقت سابق، بسبب وفرة المياه بشكل مستمر، لكن مع اتساع المدينة وشح المياه بدأت تغيب شبكات المياه الرئيسية بالتدريج منذ عام 2000 تقريباً، وهذا ما دفع الأهالي لبناء خزانات صغيرة للمياه في المنازل للاعتماد عليها في حال انقطعت مياه الشبكة”.

ويبين “الأحمد” أنه وبعد سيطرة فصائل الثوار على المدينة، ازدادت معاناة الناس لتأمين المياه بسبب تعمد قوات النظام استهداف البنية التحتية ومحطات الضخ، ناهيك عن غياب شبكة الكهرباء التي تعتبر المصدر الرئيس لتشغيل تلك المحطات، مما اضطر الناس للاعتماد على شراء مياه الصهاريج المستخرجة من الآبار والتي تعمل على الديزل، وبالتالي سيضطر المواطن لدفع تكلفة أكبر بسبب ارتفاع أسعار المحروقات.

ويرى أصحاب سيارات نقل المياه أن الأجرة التي يتقاضونها مقابل تقديم تلك الخدمة مناسبة نوعاً ما، لاسيما في ظل ارتفاع أسعار الدولار.

يقول مهدي العمر (صاحب صهريج): “نتقاضى ليرة واحدة عن كل ليتر ماء أي ما يقارب 5000 ليرة للصهريج كامل، لكن ذلك المبلغ لا يعود لصاحب السيارة بالكامل، فنحن ندفع ثمن صهريج المياه مابين 1000 ل 1200 ليرة سورية لصاحب بئر المياه، في حين ندفع حوالي 1000 ليرة سورية ثمن محروقات، ليتبقى قرابة 2500 ليرة سورية أجور لصاحب السيارة ولصيانة السيارة، وهو سعر مناسب نوعاً ما فالسيارة بحاجة لصيانة دائمة، كما أن أنواع المحروقات السيئة تساهم بشكل مباشر في زيادة أعطال الآليات، مما سينعكس بشكل مباشر على سعر الميا”ه.

لكن يرى آخرون أن تلك الأسعار غير منطقية وبحاجة إلى دراسة من جديد لتتلاءم مع دخل المواطن في الشمال السوري.

يقول فارس الأسعد (أحد سكان إدلب المدينة): “انخفاض قيمة الليرة السورية مشكلة تواجه الجميع ولا تقتصر على أصحاب سيارات النقل، ويتجاوز ربح صاحب السيارة ضمن هذه الأسعار 2000 ليرة لكل نقلة، في حين لا يتجاوز ربحه 500 ليرة في مناطق أخرى طرقاتها أقسى وأكثر وعورة من إدلب المدينة، مثل قرى جبل الزاوية، علماً أن الطرفين يعيشان في نفس الظروف الاقتصادية، لكن الازدحام السكاني الذي تعيشه إدلب وكثرة الطلب على المياه تدفع أصحاب السيارات للتحكم بالأسعار بعيدا عن الرقابة”.

مشكلة المياه في إدلب لا تقتصر على أسعارها المرتفعة، بل قد يشكل تلوث الصهاريج المستعلمة الطامة الأكبر، “فتلك الصهاريج يتم تعبئتها من خزانات يتم فيها تجميع المياه من الآبار الجوفية، وتلك الخزانات لا تخضع لأي رقابة صحية، ناهيك عن وضع الصهاريج نفسها والتي قد تتعرض للصدأ كما قد تتعرض المياه للتلوث أثناء نقلها أو تركها ضمن الصهريج خلال فترات النهار، إضافة لاختلاف المياه من بئر لآخر مما يدفع البعض لشراء المياه المعدنية، وهذا يحملهم عبئاً إضافياً” بحسب حسن العامر.

وأضاف العامر: “تصل المياه إلى أحياء المدينة عبر الشبكة الرئيسية لمدة عشر ساعات تقريباً، وتتوزع على يومين متتالين من أيام الأسبوع، لكن ضعف الضخ لا يمكّن المياه من الوصول إلى الأبنية الطابقية مما يضطر الناس إلى استعمال مضخات خاصة للاستفادة قدر الامكان من تلك الخدمة، مقابل 200 ليرة شهرية تدفع مع فاتورة الكهرباء”.

دور الجهات المعنية

تعمل “المؤسسة العامة لمياه الشرب والصرف” على تأمين مصدر للطاقة الكهربائية لتشغيل محطات الضخ كخط الكهرباء الذي يغذي ريف إدلب الجنوبي وريف حماة الغربي، والذي تعرض للانقطاع مؤخراً بسبب ظروف الحرب، الأمر الذي أثر بشكل سلبي على عدد ساعات تشغيل محطات الضخ، بحسب المدير العام للمؤسسة أسامة أبو زيد.

وأردف “أبو زيد”: “تعمل المؤسسة على تقديم المحروقات اللازمة لعمل المحطات الموزعة في منطقة فرع حلب وفرع البادية وفرع إدلب والتي تغذي أكثر من 700000 نسمة تقريباً، كما تأخذ المؤسسة على عاتقها تقديم الدراسات اللازمة لإعادة تأهيل المحطات في مناطق مختلفة كمحطة المسطومة المغذية لمدينة أريحا والقرى المجاورة، ومحطات مياه سراقب ومحطات اللج التي تغذي قرى جبل الزاوية والتي يبلغ عددها 35 قرية، بالإضافة لتقديم دراسات لتشغيل المحطات الموجودة داخل مدينة إدلب لتحسين الواقع المائي وتخفيف المعاناة عن الأهالي”.

وتابع: “تسعى المؤسسة بشكل حثيث للحفاظ على منشآت المياه التي توقفت عن العمل بسبب ظروف الحرب كمشروع عيون عارة، وتسعى للعمل على إعادة تفعيله، بالإضافة لمشاريع العدوسية، اللج، جدرايا، مصيبين، ومعرطبعي، كما تقوم بتحديد سعر المتر المكعب في المحطات التي تشرف على عملها، أما بالنسبة للآبار الخاصة فيتم تحديد سعر المتر المكعب من قبل صاحب البئر، لأن التكلفة تختلف من بئر لآخر بحسب غزارة البئر وعمقه، ولذلك لم يصدر أي قرار بتحديد سعر المتر المكعب أثناء نقل المياه بالصهريج من المناهل الخاصة، بينما حُدد سعر المتر المكعب للمياه المنقولة من خلال صهاريج المؤسسة ب 500 ليرة سورية للتخفيف على الأهالي علماً أن سعر المتر المكعب لمياه الشرب المنقولة بالصهريج الخاص 1000 ليرة”.

وختم كلامه مبيناً ان المؤسسة تعتمد اليوم على محطتي سيجر و العرشاني، بالإضافة إلى محطات داخل المدينة كمحطة شارع الثلاثين، محطة شعيب، محطة حديقة الجلاء، محطة الخدمات الفنية، بينما يتم العمل على إعادة تأهيل محطة الكونسروة بعد إبرام مذكرة تفاهم مع منظمة “سيريا ريليف”.

وبين عجز مؤسسة المياه وطمع أصحاب الصهاريج الخاصة، يعيش أهالي إدلب أزمة حقيقية على صعيد تأمين مياه الشرب، وهي أزمة لا يبدو أن ثمة نهاية قريبة لها.