“كانت خسارتي في موسم البطاطا لهذا العام أكثر من 150000 دولار، ويتضمن المبلغ فقط التكاليف التي أنفقتها على الموسم الحالي بشكل مباشر كالبذار والسماد والأدوية، عدا عن بعض المعدات الأساسية الموجودة في المزرعة التي تبلغ مساحتها 250 دونماً وأغلبها مزروعة بمحصول البطاطا الذي كنت أتوقع أن يصل مردودي منه هذا العام إلى 300000 دولار، خسرتها جميعاً وترتبت علي ديون أخرى كنت قد استدنتها على أمل موسم وفير”.

الكلام لعبد الناصر بكور أحد مزارعي البطاطا في بلدة كفرنبودة، حاله حال العشرات ومصير مواسمه مشابه لآلاف الدنمات التي خسرها أصحابها خوفاً أو حرقاً أو تعفيشاً بعد حملة التصعيد الأخيرة على ريفي حماة الشمالي والغربي من قبل قوات الأسد.

طبيعة المناطق التي تأثرت بالحملة

تمتاز المناطق التي سيطرت عليها قوات الأسد خلال شهر أيار بكونها سهلية خصبة الأراضي، كما هو الحال في بلدة كفرنبودة ومزارع قيراطة التي تتبع لها، حيث تشتهر بزارعة البطاطا بالدرجة الأولى والخضار والمحاصيل العطرية بالدرجة الثانية.

يقول رئيس “دائرة الزراعة في سهل الغاب” المهندس غسان عبود: “تغلب زراعة القمح على باقي الزراعات حيث قامت الميليشيات التابعة للأسد بتعفيش تلك المحاصيل. كذلك تحتل زراعة القمح المرتبة الأولى في كل من ناحية الزيارة في الغاب الشمالي وريف حماة الشمالي حيث لم تكن هناك إمكانية لجني المحاصيل بسبب الخطورة على الحياة والناتجة عن الاستهداف اليومي لأي حركة في المناطق المتاخمة لمناطق سيطرة الأسد، أو بسبب الحرائق الناتجة عن الاستهداف بالفوسفور الحارق بالنسبة لبقية الأراضي”. 

تكاليف أولية باهظة

لا يخفى على أحد أن المزارع يبذل جهوداً كبيرة طوال الموسم كيدٍ عاملة، ويتكبد كذلك تكاليف أولية تبدأ بحراثة الأرض ولا تنتهي بقيمة البذار وري المحصول والأدوية وكل ما يلزم للحصول على موسم مثالي.

وتتراوح تكلفة الدونم الواحد من البطاطا منذ زراعته وحتى جني المحصول من 500- 550 دولاراً حسب نوع البذار ودرجة اهتمام المزارع، بحسب المزارع عبد الناصر بكور. ويبيّن مدير “المكتب الزراعي في محلي كفرنبودة” محمد شاليش أن “كلفة زراعة دونم القمح تبلغ 55 دولار، وكذلك بالنسبة للشعير تقريباُ، أما المواسم العطرية كاليانسون والكمون فتبلغ التكلفة حوالي 100 دولار، وتقدر كلفة الخضار بـ 125 دولار”.

وعن المساحات المزروعة في أراضي كفرنبودة وحدها يقول شاليش: “تبلغ المساحات المزروعة بالبطاطا 6800 دونم ومثلها تقريباً القمح، وحوالي 3500 دونم لكل من الخضار والشعير والمحاصيل العطرية”.

وفي مزارع قيراطة التابعة لكفرنبودة “هناك أكثر من 12000 دونم مزورعة بالقمح والشعير و5000 دونم بطاطا و3500 دونم خضار ومثلها للمحاصيل العطرية” بحسب رئيس المجلس المحلي حسن الأحمد”، في حين تصل المساحات المزروعة بالقمح في نواحي الزيارة وقلعة المضيق وكفرزيتا إلى 150000 دونم، عدا عن مساحات متفاوتة للزراعات الأخرى، بحسب رئيس “دائرة الزراعة في الغاب” المهندس غسان عبود.

وبناء على ما سبق، قد تبلغ التكاليف التي تكبدها مزارعو ريف حماة حوالي 18 مليون دولار تتضمن فقط ما أنفق على المحاصيل لهذا الموسم، عدا عن الموجودات الثابتة كالمحركات والمعدات الزراعية وآبار الري ومستلزماته.

تعفيش المحاصيل

اعتادت قوات الأسد والمليشيات التابعة لها تعفيش كل شيء في المناطق التي تسيطر عليها، وكذلك كان مصير المحاصيل الزراعية كما ظهر في فيديو مسرب لجنود وهم يجنون محصول البطاطا من إحدى مزارع كفرنبودة. وعلى هذا النحو تعتبر كل المزارع التي وقعت تحت سيطرة قوات الأسد بحكم المنهوبة من قبل تلك القوات.

يقول عبدالناصر أحد مزارعي كفرنبودة: “تبلغ مساحة ما أزرعه من البطاطا لوحدي 200 دونم كان مصيرها التعفيش إضافة لمعدات ثابتة تقدر قيمتها بـ 50000 دولار”.

وبحسب مدير “المكتب الزراعي في محلي قلعة المضيق” طريف درويش فإن 70000 دونم مزروعة بالقمح في كامل ناحية قلعة المضيق كانت جاهزة للحصاد قبل سيطرة قوات الأسد عليها، كذلك كان هناك أكثر من 10000 دونم مزروعة بالبطاطا عدا عن مساحات متفرقة مزروعة بالخضروات والمحاصيل العطرية، وتقدر قيمة هذه المواسم حسب متوسط أسعار السوق بـ /26/ مليون دولار في المناطق التي استولت قوات الأسد على محاصيلها”.

صعوبة الوصول إلى الأراضي

بعد تغير خريطة السيطرة بات الوصول إلى الكثير من الأراضي الزراعية بهدف جني المحاصيل خطراً على المزارعين، وخاصة المناطق المحيطة بكل من اللطامنة وكفرزيتا ومورك وعطشان والحويز.

وبحسب مدير “المكتب الزراعي في محلي كفرزيتا” خالد الحسن فإن هناك 10000 دونم مزروعة بالقمح غرب كفرزيتا يعتبر الوصول إليها خطراً، وكذلك الحال بالقرب من اللطامنة والأربعين وحصرايا والزكاة، إذ تكررت حوادث استهداف المزارعين وكان آخرها في الأربعين عندما تم استهداف عمال حصادة ما تسبب بسقوط شهيد وإصابة آخرين، وكذلك الأمر في نقطة تل الصوان شرق مورك منذ أيام قليلة، حيث استُهدف مزارعان ما أدى لاستشهاد أحدهما وهو من مدينة مورك شمال حماة.

 الحرائق تلتهم ما تبقى 

تنتشر الحرائق بشكل كبير سنوياً في مواسم حصاد القمح، وذلك لأسباب غير مقصودة. إلا أن الحرائق التي التهمت مواسم القمح في ريف حماة كانت مفتعلة من قبل قوات الأسد.

يقول خالد الحسن إن “قوات الأسد اعتادت استهداف الأراضي الزراعية كل عام في موسم حصاد القمح بالقنابل المحملة بالفوسفور الحارق، ما أدى لاحتراق أكثر من 6000 دونم في كل من كفرزيتا والزكاة”.

وبحسب دراسة نشرتها منظمة REACH SYRIA والتقييم الذي قامت به عبر الأقمار الصناعية لتحديد مساحة الأراضي المزروعة التي تم إحراقها اعتباراً من 26 مايو/أيار الماضي، فإنه تم حرق أكثر من 81000 دونم من الأراضي الزراعية في المناطق الفرعية في كفرزيتا ومحردة وخان شيخون وقلعة المضيق وكرناز وشرق صوران. كما ذكرت الدراسة أن أكثر المناطق الفرعية تضرراً هي كفرزيتا وكرناز، تليهما باقي المناطق.

مدير زراعة الغاب قال إن 17000 دونم تقريباً احترقت في ناحية الزيارة وحدها حتى تاريخه، وقرابة 100000 دونم مزروعة بالقمح في ريف حماة تم إحراقها بفعل القصف بالأسلحة التقليدية والفوسفور الحارق من قبل قوات الأسد.

الثروة السمكية

يطلق أهالي المنطقة على عملية تربية السمك في الأحواض اسم “زراعة السمك”. وتزرع الأسماك في كل من مركز ناحية قلعة المضيق والبلدات التابعة لها في سهل الغاب وخاصة باب الطاقة والحمرا. وبحسب مدير “المكتب الزراعي في محلي القلعة” طريف درويش فإن إجمالي المساحات التي تزرع بالسمك تصل إلى 12000 دونم على مدار العام، وإن نصف هذه المساحة من مزارع الأسماك كانت في طور جني الإنتاج عشية تقدم قوات الأسد.

وأشار “درويش” إلى أن كلفة الدونم الواحد تصل إلى 4000 دولار، وبالتالي فإن المساحة التي كانت جاهزة للتسويق قد كلفت المزارعين حوالي 24 مليون دولار، جميعها بيعت في أسواق النظام بأسعار أقل من التكلفة بكثير بعد أن قامت قوات الأسد والمليشيات النابعة لها بنهبها.

الخسارة السوقية

لا تقتصر خسارة المزارعين على التكاليف الزراعية الموسمية، بل تشمل “الخسارة السوقية” وهي إجمالي الكلفة المدفوعة وتضاف إليها إليها معدلات الربح المتوقعة.

يقول “درويش” إن “القيمة السوقية لمحصول البطاطا المتوقعة في ناحية قلعة المضيق لوحدها قد تصل إلى 15 مليون دولار، على فرض بيع الكيلو الواحد بـ 150 ليرة وسطياً، كما أن القمح المنتج في ناحية قلعة المضيق لوحدها تصل قيمته السوقية إلى 11 مليون دولار تقريباً”.

وبالعودة إلى باقي المحاصيل في باقي المناطق ووفقاً للمجالس المحلية، فإن القيمة السوقية للمزروعات التي فقدها أصحابها بسبب النزوح أو تغير خريطة السيطرة أو الحرق قد تصل إلى 40 مليون دولار. ومع إضافة الخسارة السوقية لمزارعي الأسماك والتي تبلغ 32 مليون دولار، يكون مزارعو ريف حماة قد خسروا ما يفوق 75 مليون دولار بشكل مباشر على صعيد الزراعة، عدا عن خساراتهم الأخرى.

يبقى المزارع الخاسر الرئيسي والمباشر على هذا الصعيد، هو الذي فقد أرضه ومحصوله وشقاء عامه هذا، وجنى نزوحاً وتشرداً واستجداءً، لكن الانعكاسات السلبية لذلك ستؤثر سلباً على مجتمع “المناطق المحررة” بشكل عام، وقد تنتج عنه أزمات اقتصادية وغذائية وارتفاعاً في أسعار المواد الرئيسية، حيث يعاني المواطن بالأساس من دخل محدود يقتصر على المساعدات الإنسانية في مجتمع أنهكته الحرب وقلة فرص العمل.