الصفحة الرئيسية رأي وتحليل منصة تل أبيب “السورية” الحاسمة!

منصة تل أبيب “السورية” الحاسمة!

 

بدأ التلويح لمنصة تل أبيب في وقت مبكر بعد اندلاع الثورة السورية آذار/مارس 2011، وبدعوة غير مواربة من النظام السوري، الذي تحدث عميد اقتصاده رامي مخلوف في 11مايو/أيار 2011 صراحة لصحيفة نيويورك تايمز “عن ربط استقرار اسرائيل باستقرار سوريا” (النظام السوري)، وهو الأمر الذي تلقفته إسرائيل دون استعجال في إلقاء مبادرتها المؤجلة ثمانية أعوام حتى يوم الاثنين الماضي 24يونيو/حزيران، على اعتبار أن كل المتصارعين معارضة، ونظاماً، والمتدخلين الدوليين لا يشكلون أي خطر على أمنها الداخلي، بما فيهم إيران وحزب الله، حيث التصريح لهم على ما يبدو كان ضمن أهداف محددة، ينتهي مع ضمان العودة إلى الحل “السلمي” الذي وضعت إسرائيل نفسها كمحور له، وأن أي خسائر ستصب في مصلحتها سواء تكبدتها الأطراف المحلية، أو الإيرانية بكل أذرعها التي دخلت منذ الأيام الأولى للثورة على جبهة الصراع إلى جانب النظام ضد المناهضين لحكمه، ما سمح لحلفاء إسرائيل أيضاً بضخ ما يستطيعون “من زيت” للجهات المتواجهة لإبقاء نار الصراع متأججة بما يخدم مقولة إنهاك الأطراف داخلياً أولاً، قبل مد بساط الحل القادم من تل أبيب محمولاً على كتفي حراس استمرار الحرب على طرفي الصراع، الروسي لجهة النظام، والأميركي الذي تستقوي به كيانات المعارضة الخارجية بشقيها العربي والكردي.
ويعد اجتماع القدس الغربية الذي اختتم يوم 25/ يونيو الذي دعت له إسرائيل،  بمشاركة حليفيها الأمنيين الروسي والأميركي، بعد نحو ثمانية أعوام من الثورة السورية ودعوتها السريعة للتدخل المباشر حماية لاستقرارها المرتبط باستقرار النظام، وتشكيلها منصة ” تل أبيب” الحاسمة التي تستطيع وضع نهايات لسيناريوهات عديدة كانت مطروحة في المنطقة ضمن الوعي الوهمي للأطراف المتحاربة المحلية، سواء لجهة النظام الذي أراد منها حمايته مع الخطوات الأولى لتحركات السوريين لإسقاطه، أو لجهة بعض المعارضة التي مدت جسور التواصل معها سراً من خلال زيارات اعتبرتها “الكيانات” فردية، دون أن تحدد مواقع قدمها في علاقتها مع الولايات الأميركية التي تعتبر مهمتها الأولى في المنطقة حماية أمن إسرائيل، التي تتضمن وجود نظام سلمي في سوريا، يضمن استمرار أمن حدود إسرائيل، التي لم تهدد منذ نحو أربعين عاماً بضمانة ثنائية بين شريكي إسرائيل في “منصة تل أبيب” المعلن عنها هذا الأسبوع، في ظل غياب أي “تعبير” سوري من أطراف الصراع المحلية السورية، أو رفض عربي  أو حتى الاعتراض على أن يؤول مصير المنطقة برمتها إلى ثلاثي “المنصة الجديدة” بينما يجتمع الأطراف الموافقون عليها في المنامة لدفع حصصهم المالية لتنفيذها.
بعد ثمانية أعوام من التدخل الإيراني في سوريا، وتحرك قواتها وذيولها من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب السوري، دون أي اعتراض جدي من إسرائيل رغم الضربات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت بعض مواقع ذخيرة إيران -العابرة فقط- كما يبدو للحدود، تتحر ك اليوم إسرائيل بجدية لإعادة رسم مساحات الحركة للجيوش الأجنبية في سوريا، ما يضعنا أمام حقيقة أن إسرائيل -التي التزمت الصمت على الوجود الإيراني على محاذاة حدودها، وتركت للقوات الإيرانية فرصة القتال ضد جبهات المعارضة بكامل عتادها، وعبر أهم قواها البشرية “الحرس الثوري”- أرادت أن تتعرف على أرض الواقع ومن خلال تجربة حقيقية على إمكانيات إيران القتالية، ونوعية أسلحتها البرية والصاروخية، وعايرت من خلال المعارك الحية في المساحة السورية  قدرات إيران في معركة حية مكسبها الوحيد يصب في مصلحة إسرائيل وأبحاثها حول إيران.
وإذ تتبنى إسرائيل اليوم وضع النهايات للحرب السورية من خلال منصتها التي صنعتها بدعم أميركي- روسي، فإنها لن تنتظر طويلاً قبل أن تتوسع لاحقاً منصتها لتضم أطراف السلام المزعوم التي تهيئ له صفقة القرن، متضمنة الخطة الاقتصادية التي استضافتها المنامة في ذات التوقيت، برعاية صهر وكبير مستشاري رئيس الولايات المتحدة الأميركية جاريد كوشنير تحت شعار الاقتصاد أولاً للسلام في الشرق الأوسط، وهو يعني ضمنياً “الاقتصاد مقابل السلام والتطبيع مع إسرائيل”، لضمان سلام الأنظمة التي توافق عليها من ثورات شعوبها قبل أي خطر خارجي عليها.
ومع كل ما تقدم فإن ما تمتلكه إسرائيل من أسباب لتشكيل تحالف دولي لمنع إيران من الحصول على أسلحة نووية، وإخراجها من سوريا مقابل الحفاظ على النظام السوري القائم في الفترة الحالية لتمرير خطة سلامها المزعوم في المنطقة، يعادل تماماً ما تمتلكه من أسباب لترفعها لاحقاً بوجه النظام السوري، لإحداث تغيير جوهري داخله لا يخلّ بأمان حدودها والعلاقات التي تؤسس لها اليوم، ولا يحملها عبء الحفاظ على نظام أدار حرباً أهلية تحت غطاء الحرب على الإرهاب، ويتحمل مسؤولية مئات آلاف الضحايا من السوريين، مما يجعل الخطة المزعومة لحل قضية الصراع في سوريا هي خطة احتواء مرحلية تفضي لاحقاً إلى حلول جذرية، سيدفع الواثقون بها ثمناً ليس بالقليل لاحقاً، وفي مقدمتهم النظام الذي تتولى روسيا إدارة شؤونه وتمثيله في منصة تل أبيب، وعلى الجهة المقابلة المعارضة التي لم تجد حتى اليوم جسراً تعبر فوقه إلى صناعة مشروعها الوطني الداخلي، ليكون بديلا موثوقاً به، فكانت عاملاً اضافياً في تمزيق النسيج السوري، وبعثرة ولاءاته بين الضامنين الوهميين لخطط سلامه.

*كاتبة سورية