تعتبر الزراعة من أكثر المهن التي يعتمد عليها سكان ريف حلب بدخلهم ومردودهم الاقتصادي، فقد شهد هذا القطاع تغيرات عدة وتراجعاً ملحوظا خلال الأربع سنوات الأخيرة، وكان هذا التراجع متعلقاً بأسباب طبيعية وأخرى لها علاقة بمجريات الواقع والتغيرات السياسية والعسكرية، وكل ذلك انعكس سلباً على المزارع بين ارتفاع وانخفاض لأسعار المحصول والبضائع المنتجة.

هطلت أمطار غزيرة وغير متوقعة شتاء هذا العام في عموم مناطق الشمال السوري، ويرى الكثيرون هطول الأمطار بكميات كبيرة نعمة وخيراً، لكن العكس هو الصحيح، فالزيادة كالنقصان تماماً، إذ أدت الزيادة إلى غرق محاصيل زراعية عدة لا سيما في مختلف مناطق حلب، من دون أن يقدر المزارع على سحب المياه من أرضه لغزارة هطول الأمطار.

خسارة متوقعة لبعض المحاصيل

بعد هطول تلك الكمية من مياه الأمطار وغرق بعض المحاصيل، إضافة لتضرر قسم كبير من محاصيل أخرى، أصبح المزارع ينتظر خسارة كبيرة ستلحق به في موسم هذا العام، وبالفعل أتى الموسم حاملاً معه إنتاجاً ضئيلاً من محاصيل كثيرة منها القمح والشعير والكمون.

يقول الخبير الزراعي المهندس عبد الرزاق خطيب لـ”بوابة سوريا”: “بلغت كمية الامطار 650 ملم في الشمال السوري، علماً أن معدل هطول الأمطار في المنطقة لا يتجاوز 350 ملم، ما أدى إلى سيول جارفة وغرق الكثير من الأراضي والمحاصيل الزراعية، ولم يستطع الكثير من المزارعين زراعة أراضيهم نتيجة عدم قدرتهم على سحب المياه منها”.

وبيّن خطيب أن نجاح المحاصيل لهذا العام كان متفاوتاً بين مكان وآخر، مع وجود خسارة مشتركة بين جميع المناطق لمحصول الكمّون الذي لم تتجاوز نسبة نجاحه 10%، أما بالنسبة لبقية المحاصيل فكانت نسب نجاحها متفاوتة، فالأراضي التي تعرضت لكميات مياه كبيرة أدت لغرقها كان محصولها ضعيفاً، وذلك نتيجة توقف نمو النباتات أثناء غمرها بالمياه، أما بالنسبة للأراضي الكائنة في مناطق مرتفعة قليلاً فكانت درجة نجاح المحاصيل فيها جيدة جداً، وتلك النسب تنطبق على المحاصيل كافة من قمح وشعير وفول وبطاطا، أما بالنسبة لمحصول “حبة البركة” أو “حبة السودة” كما تسمى أيضاً، فقد كانت نسبة نجاحها ضعيفة بسبب زيادة نسبة الرطوبة لهذا العام، ما أدى لانتشار الأعشاب بينها خاصة عشبة “المديدة”.

من جهته اعتبر المزارع أنس محمد أنه “لا يمكننا القول أن الموسم الحالي تسبب بخسارة كاملة للمزارع، فقد كانت هناك محاصيل أتت بالنفع والربح المقبول لصاحبها، بينما كانت هناك محاصيل أثقلت كاهل المزارع وتسببت بخسارة كبيرة له، فقد أنتج محصول القمح من 40 حتى 50 كيساً من المقاس الكبير، وكان مربح الهكتار الواحد من القمح والشعير والحبوب بشكل عام يتراوح بين 200- 600 دولار.

وأضاف أنس: “أما بالنسبة للمحاصيل التي اعتبرت المسبب الأكبر لخسارة المزارع هذا العام كالكمون وقسم من أراضي الشعير وحبة البركة فسبب تلك الخسارة هي غمر أراضيه كلياً بالمياه، ما حال دون ظهوره على وجه التربة، إضافة إلى ظهور الأعشاب الكثيفة بين نبات المحصول الأساسي كالشعير والذي أدى لخسارة المزارع أكوام قش الشعير التي كان يبيعها لرعاة الأغنام”.

أما بالنسبة لمحصول الثوم فقد أتى بربح ضئيل جداً يتراوح بين 200 و 1000 دولار نتيجة  إصابة نباته بدودة تدعى “دودة البصل” وهي تقضي على الجذر والساق، بالإضافة إلى غلاء اليد العاملة بشكل كبير، إذ وصلت يومية العامل أو العاملة إلى 1000 ل.س.

ونوه أنس إلى اختلاف إنتاج المحصول من شخص لآخر بسبب طبيعة الأرض وخصوبتها، بالإضافة إلى درجة عناية المزارع بأرضه وامتلاكه آليات ومعدات تخدم أرضه من مضخات رش الأدوية إلى الجرار وصولاً إلى كمية المياه وغزارتها لديه، فتوفر تلك المعدات يقلل من التكلفة على المزارع بشكل كبير، أما المزارع الذي يحرث أرضه ويزرعها ويسقيها مقابل أجور يدفعها فستكون تكلفة الزراعة عليه كبيرة.

تعمل الحصادة الآلية على مبدأ فرز الحب عن القش ومن ثم تحول القش إلى تبن للأغنام على شكل أكوام، لكن التواجد الكثيف للنباتات الضارة والأعشاب بين نبات المحصول الرئيسي حال دون تمكن الحصادة الآلية من فرز القش عن الأعشاب، بحسب “خالد أبو علي” وهو أحد مالكي الحصادات غرب حلب.

مردود متنوع بحسب المحصول

بعد غرق أرضهم أو خسارتهم على صعيد محصول معين، بادر بعض المزارعين إلى زراعة محصول إضافي هو محصول الخضروات الصيفية، على أمل تعويض ما فاته وخسره في الموسم الشتوي، وقام المزارعون باستبدال محصول الكمون وغيره من المحاصيل التي غرقت بمحاصيل أخرى كـالكوسا والخيار.

أحمد عبد الله أحد المزارعين الذين قاموا باستبدال محصول الكمون بالخضار، وهو يقول لـ”بوابة سوريا”: “لجأت كمزارع لاستبدال محصول الكمون بمحصول البامياء والكوسا، لكن ما فاجأني هو السعر المتدني للمحصول الصيفي، فكان سعر الكيلو جرام الواحد لا يتجاوز الـ 35 ل.س، وتكلفته الأساسية أكبر من ذلك، وبهذا يكون المزارع قد خسر موسمين، الأول يعود لعوامل طبيعية ونتيجة لكثافة الأمطار، والثاني يعود لانخفاض الأسعار وتراجعها بسبب التغيرات السياسية على أرض الواقع وإغلاق الطرقات أمام التجار لتسويق البضاعة”.

وأضاف أحمد أن مزارعي محصول الخيار قد خسروا أيضاً بسبب عدم وجود معابر وطرق للتصدير إلى بقية المناطق، وبالتالي انخفض سعره ليتراوح بين 25 و 35 ل.س فقط وربما أقل، أما بالنسبة لمحصول القثاء، فقد سجل سعراً ممتازاً هذا العام وصل إلى 200 و 300 ل.س للكيلو الواحد، وذلك نتيجة لقلة تلك المادة في الأسواق والطلب الكبير عليها من قبل الأهالي.

يلقي قطاع الزراعة بثقله على الفلاح الذي طالما انتظر نتاج جهده وحصاد عرقه طيلة أيام العام، يعيش تلك الأيام منتظراً رغم قساوتها عليه، وأسباب ذلك كثيرة في بلد عرف بطيب عيشه واعتماد الكل فيه على الذات، لاسيما في مناطق ريفي حلب الجنوبي و الغربي، وهو يأمل في كل عام أن يتحسن المردود والدخل المادي لديه.

guest
3 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
trackback

[…] الزراعة من أكثر المهن التي يعتمد عليها سكان ريف حلب بدخلهم […]

trackback

[…] بحصد محاصيل #القمح و #الشعير خلال الموسم الحالي، فما أبرز التحديات التي تواجههم؟ وما […]

trackback

[…] ترصد عملية رش أدوية لمكافحة الأعشاب (العريضة) بين مزروعات القمح والشعير في ريف الحسكة […]