شغلت بلدة قمحانة الناس وصارت حديث الإعلام، لما لحق بها من سمعة تشبيحية منذ بداية الثورة، وما عرف عن شبيحتها من سمعة سيئة ومجاهرتهم بما قاموا به من تصرفات وقحة.

وأصبح وجود كلمة “قمحانة” على هوية بعض الأشخاص لعنة تلاحقهم في كل مكان، ومن بين هؤلاء من تضرر من شبيحتها بشكل مباشر، من أبناء قرى الريف الشمالي. لكنها كانت أيضاً منجاة للكثيرين في مناطق تقع تحت سيطرة نظام الأسد، لدرجة أنها نعتت بـ “القرداحة الثانية”.

يقول علاء علي: “هجرت من قريتي نتيجة ملاحقة الشبيحة لي واعتقالي لأشهر، وأفرج عني بعد أن دفعت عائلتي فدية كبيرة للشبيحة، فنزحت إلى الشمال السوري، وبمجرد أن وطأت قدمي تلك المنطقة أوقفني حاجز أمني للجيش الحر، وقاموا بالإجراءات الأمنية كطلب الهوية وغيرها، وعندما تبين لهم أنني من قمحانة، أوقفوني لساعة حتى تأكدوا من أنني لا أنتمي للشبيحة ولا أمتّ لهم بصلة، بعد سؤال من سبقني من البلدة إلى الشمال”.

يتابع علاء: “لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل كان مروري في الشارع  ومصادفتي أي شخص أمراً لا يخلو من الإزعاج، فمن يسألني ويعلم أنني من قمحانة كان يقول لي: ماذا تفعل في مناطقنا، وما الذي جاء بك إلى المناطق المحررة؟ كان هذا يبعث على الشعور بالغضب من سمعة القرية”.

هناك الكثيرون ممن صادفهم هذا الموقف من أبناء البلدة، ويتميز شعورهم بالغضب المزدوج، تارة من السمعة التي لحقت ببلدتهم، وتارة أخرى من الحكم المسبق وتعميمه على كل أبنائها، الذين تركوا منازلهم، وتضرروا من أبناء منطقتهم.

هل “كل سكانها شبيحة؟”

ما إن تسأل أي شخص هذا السؤال حتى يجيبك بالحكم على جميع أبناء البلدة بـ “التشبيح”، لكن الحقيقة مخالفة لذلك، وهذا ما يوضحه أحمد العمر بقوله: “أصبح الحديث عن القرية شغل الناس الشاغل، حديث ملأ الدنيا وشغل الكثيرين، ولكن الواقع يختلف عن القصص التي نسجت حولها وعن أحكام التعميم بتشبيح جميع سكانها وموالاتهم لنظام الأسد، حيث أن نسبة الموالين لم تتجاوز 40% من عدد سكانها، ومن بين هؤلاء من “شبّح” خوفاً من الشبيحة ودرءاً لشرهم، ومنهم من شبّح رغبة منه بجمع الثروة عبر الرزق المنهوب والعرض المسلوب، وهناك من سلك هذا الطريق لثأر قديم ووجد في التشبيح وقتاً مناسباً لثأره، ومنهم من شبح لاعتقاد وموالاة وهذه النسبة قليلة مقارنة مع غيرها من الأسباب”.

وتابع: “زج نظام الأسد بهؤلاء جميعاً في خندق واحد، وكان تشبيحهم على الملأ، بحمل السلاح أو بالتشبيح الإعلامي ونقل الأخبار الكاذبة والوشاية، وكان المسؤول عن تلك المجموعات في الأيام الأولى للثورة عميد متقاعد من البلدة من آل سباهي، وهو أخرج مجرمي البلدة ولصوصها من السجون، ودعمهم بما جناه وعائلته من تشبيح في الثمانينات، ولاحقاً تم تقسيم شبيحة البلدة إلى عدة فرق، فمنهم من يتبع للحزب ومنهم من كانت تبعتيه للمخابرات الجوية التي اشتهرت بقتل المعتقلين أثناء التعذيب، وهناك من يتبع لكتائب أبو الفضل العباس، ولكنهم جميعاً لم يشاركوا في المعارك بشكل مباشر، بل كان عملهم يقتصر على السلب والنهب والتشبيح بعد احتلال البلدة وتدميرها من قبل قوات النظام، وهذا ما ساعد في تسميتهم بكتائب الجراد”. 

وبين أحمد أن “معظم سكان البلدة هم من الفلاحين البسطاءالذين لم تشغلهم الثورة كما شغلتهم بساتينهم، وجني أرزاقهم، ولم يستطع النظام جذبهم للانخراط في صفوفه والتشبيح مع عناصره، كانوا يقضون يومهم خارج البلدة هرباً من بقائهم أمام الشبيحة الذين لم يعرف عنهم سوى المعاملة السيئة التي تنتهي بسلب المال ممن يستهدفونه من هؤلاء الفلاحين، ويلصقون به تهمة التعامل مع فصائل الثوار، أو رؤيته لأحد الثوار وتقديم المعلومات له” لافتاً إلى مشاركة أبناء القرية في المظاهرات السلمية منذ انطلاقة الثورة، فكانت أول مظاهرة لهم هي مظاهرة “جمعة الحرية”، وغالباً ما كانت المظاهرات تنتهي بجرحى نتيجة هجوم الشبيحة عليهم بالحجارة والأسلحة والأدوات الحادة.

قمحانة كثكنة عسكرية

قرية قمحانة قرية صغيرة كان عدد سكانها حوالي 10 آلاف شخص قبل الثورة، وازداد هذا العدد بعد أن قصدها الكثيرون من ريف ادلب وحلب ممن يوالون نظام بشار الأسد. قدمت القرية الكثير من الشهداء كان أولهم في 3 آب 2011 من آل عبد الرحمن، بعد أن اقتحمت قوات النظام مدينة حماه بالدبابات والمدفعية، والشهيد الثاني من آل سودين، وهو قتل على يد شبيحة القرية في 21 شباط 2012،  ثم اقتحمت قوات النظام القرية في اليوم نفسه برتل ضخم، فاعتقلت المئات من أبناء القرية واستشهد أغلبهم تحت التعذيب، وانقطعت أخبار الباقين، وجعلت منها مركزاً عسكرياً لقواتها، لينتهي بذلك عهد الثوار في القرية وتبدأ الفترة الذهبية للشبيحة فيها.

 

يقول حسان العلي: “ساعد موقع القرية على جعلها ثكنة عسكرية للنظام، فقمحانة هي بوابة حماة ومطارها العسكري، وسقوطها بيد الثوار يعني سقوط حماة كاملة، حيث تمتد من سفح جبل زين العابدين شرقاً إلى ضفة نهر العاصي غرباً، وتتبع لها مزارع أخرى، كما تشرف عليها رحبة خطاب وتلة أرزة العلوية، وتحيط بها مجموعة من الوديان والتضاريس المعقدة والتلال الترابية، وهذا ما يفسر أهميتها الاستراتيجية بالنسبة للنظام كحصن قوي وأخير للحفاظ على حماه التي طالما قضّت مضجعه منذ نشأته قبل أربعين سنة”.

لأبناء البلدة عدة كتائب تتبع لـ “الجيش الحر”، وهؤلاء امتنعوا عن الظهور أمام الإعلام بسبب الأوضاع الامنية، ووجود بعض أقاربهم في مناطق النظام. دافعوا عن أرضهم وعرضهم بصمت، واستشهد الكثيرون ممن لم يستطع أهلهم الحديث عنهم أو استقبال المعزين بهم، وهناك من لم يعلموا باستشهاد أبنائهم حتى وقت متأخر، إلى جانب آخرين قضوا شهداء تحت التعذيب، وكثيرون ما زالوا مجهولي المصير في معتقلات الأسد، عمرهم من عمر الثورة.

توزع أبناء البلدة في ريف ادلب الجنوبي وحماة الشمالي إثر دخول الجيش إليها، هي البلدة التي حكمتها الظروف السياسية والجغرافية، فبقيت تحت سلطة النظام، وبقيت صفة التشبيح تلازم أبناءها حتى في الأماكن التي لجؤوا إليها هرباً من النظام، ليس لهم ذنب في تصرفات آخرين من أبناء البلدة، وأحياناً في تصرفات أخوتهم من نفس الأم والأب. أقنع الشبيحة أنفسهم بـ “وطنيتهم” ضد من نعتوهم بــ “الإرهابيين”، وبولائهم الذي لا يرونه إلا عبر البوط العسكري.