في البلدان التي يعيش مواطنوها إحساساً بالانتماء الحقيقي إلى وطنٍ بكل ما تعنيه الكلمة من معنى وليس فقط إلى الجغرافيا، يكون الوطن حاضناً للجميع. وليس مجرد مزرعة يتبعها لاحقة باسم رئيس الدولة أو اسم عائلته. ففي هذه الحالة يصبح الوطن مسروقاً، مشوهاً، قزماً، وضيقاً لا يتسع إلا للفاسدين وأعوانهم.
في معظم البلدان العربية وبعد فترة الاستقلال عاشت تلك البلدان حالة من الاضطراب وعدم الاستقرار السياسي، عبر انقلابات عسكرية كانت في مجملها من قبل بعض السياسيين الطامحين بالوصول إلى السلطة الجمهورية متسلّحين بالعقلية الملكية القديمة، التي تنحطّ في بعض مستوياتها إلى عقلية الحكم الإقطاعي. مما ضيّق مفهوم الحكم ونظامه الجمهوري إلى ملك شخصي وحق مكتسب للرئيس ورث عبره الدولة وشعبها ومقدراتها، وفي كثير من الأحيان تاريخها ومستقبلها. ومن جانب آخر شوه مفهوم الوطن في عيون مواطنيه ليتحول إلى سجن كبير أو إقطاعية يعمل فيها المواطن بقوته وقوت عياله.
في سوريا أو كما يسميها الكثيرون “مملكة الخوف”، أحكم حافظ الأسد قبضته الحديدية على جميع مفاصل الدولة بشبكة أمنية تديرها مخابراته عبر عملائهم (المخبرين)، فأصبح للجدران آذان وأصبح المثل القائل “المشي الحيط الحيط ويا رب الستر” أحد أهم الشعارات التي حفظها المواطن السوري عن ظهر قلب. بل تطور لتصبح دستوراً يعمل المواطن السوري تحت سقفه؛ لأن من يتجرأ على الابتعاد عن الحائط سيقع في هاوية معتقلات الأسد وزنازينه المنتشرة في كل مكان.
وبعد وفاته كان المواطن السوري هو أحد الأشياء التي أورثها حافظ الأسد لابنه بشار كالمال، والسلطة، والسطوة الأمنية. فليس بإمكانه أن يتصرف بحرية في الكثير من أمور حياته دون الرجوع إلى ما يسمى بالدولة، أو تدخّلها والحصول على موافقتها. حتى في قضية الموت الذي شاركت فيه أجهزة الأمن فأنهت حياة الكثيرين في زنازين الاعتقال.
جاءت انطلاقة الثورة السورية بمثابة صرخة الرفض العالية التي يطلقها الضعيف وهو بين يدي جلاده. صرخة دوت عالياً لتهزّ عرش المستبد في قصره. ذلك المستبد الذي تعوّد على السمع والطاعة والتبجيل والتقديس. فاستنفر كل أدوات إجرامه الموروثة عن أبيه ليسكتها. لم يترك وسيلةً إلا واستخدمها في قمع الثورة الشعبية ووأد المظاهرات التي بدأت تنتشر كالنار في هشيم بلاد جفّ ويبس تحت سوط الاستبداد والقمع. فحاول باسم الدفاع عن الوطن الذي لم يحسّ غالبية السوريين بالانتماء إليه، أن يضبط انفلات القبضة الحديدية لكنه فشل. لأن أولئك الذين اشتمّوا نسائم الحرية لم يعودوا قادرين على العودة إلى مستنقعات العبودية وروائحها النتنة. وحين كانت الكلمة أمضى من الرصاص الذي حاول خنقها اشتعلت حناجر الرفض كلما فاحت رائحة البارود.
كانت المظاهرات بداية طريق السوريين في رحلة البحث عن ملامح الوطن. وطن يحبونه ويحبهم. لا ينتمي إلى أحد، بل ينتمي إليه الجميع، وطنٍ يحفظ كرامتهم وحريتهم، وطنٍ يشبههم. ليس وطناً يستبيح دماءهم وكرامتهم تحت أي مسمى كان. لكن العقلية الأمنية المحكومة بالوحشية وسفك الدماء، كانت تزيد من وحشيتها كلما زاد الرفض واتسعت رقعة “الـلّا” في جغرافيا البلاد.
ومع دخول الثورة مرحلة العمل المسلح وتصعيد النظام السوري وأدواته القمعية هرب الرافضون لبقاء النظام خارج مناطق سيطرته يحملون معهم حلمهم في الخلاص. فكانت المناطق الحدودية هي الأكثر أمناً من غيرها، وإن لم تكن بعيدة كثيراً عن مخالب إجرامه. يسبحون على بنود معاهدات دولية من المفترض أن تضمن سلامة المدنيين في أوقات الحروب. مثلما كان من المفترض أن تضمن لهم حرية التعبير والحياة الكريمة في منازلهم التي أخرجهم منها النظام.
ما يزيد على مليون نازح يقيمون في مخيمات تمتد على طول الحدود السورية التركية، كل ما يملكونه هو خيمة من القماش والعازل البلاستيكي، الذي لا يمنع حراً ولا يقي من البرد.
هؤلاء النازحون الذين كانوا يحلمون بالوطن الكبير، أمست الخيمة وطنهم الذي ينتمون إليه. فهي كل ما يملكونه اليوم. وتحت قوائمها ينام أطفالهم الذين لا يعرفون من الوطن إلا تلك الخيمة وفسحتها، إن وُجدت.
لا تنفعهم كل القصص التي يروونها لأطفالهم عن بلداتهم الجميلة، وأراضيهم الخضراء. وأشجارهم المثمرة، التي تركوها لمن يدّعي حماية الوطن.
إن حاول طفلٌ ولد في المخيم أن يتساءل عن شكل الوطن. تجيبه رياح الشتاء العاتية التي تحاول اقتلاع خيمته، فتشعره بأن وطنه في خطر. حتى تهدأ العاصفة يطمئن إلى سلامته. وبعد أن يضع رأسه على الوسادة يقول في نفسه:” ما هذا الوطن المهدد بالاجتثاث في كل لحظة؟ وهل يا ترى كل الأوطان هكذا”؟
لا يمكن لطفلٍ ولد في دولة أوربية أن يشرح له عن ماهية الأوطان. ولكن بإمكانه أن يخبره كيف يستيقظ صباحاً على زقزقة العصافير، ليتناول وجبة الإفطار. كل هذا يحدث تحت سقف يحميه وجدران إسمنتية لا يمكن أن تنقضّ عليها طائرة المدافعين عن الوطن لتحيلها ركاماً فوق رأسه. ثم ينطلق إلى مدرسته مستقلّاً حافلةً خصصتها له الدولة. وفي أيام العطل بإمكانه الخروج مع عائلته إلى منتزه قريب، أو بعيد. لا يهم طالما كانت الدولة تحميه أينما كان، وتضمن له حقوقه التي نصّت عليها القوانين الدولية. والتي في نفس الوقت لم تستطع أن تحمي ذلك الطفل الذي يلعب بالتراب أمام خيمته وهو مهدد في كل لحظة بالموت من طائرة يقودها ضابطٌ كان قد أقسم اليمين يوماً ما أن يحمي حدود الوطن وشعبه.
سيكبر ذلك الطفلُ يوماً وكل ما يفكر به في المستقبل، كيف سيبني خيمةً تشبه خيمة عائلته التي عاش فيها، وكيف سينجب أطفالاً يلعبون بالتراب أمامها. إنْ لم تقتلعها عواصف الشتاء.