مع انطلاق الثورة السورية بمظاهراتها السلمية، عمدت قوات النظام إلى استخدام شتى أنواع القمع من القتل والاعتقال والتعذيب، وصولاً إلى القصف الممنهج على المدنيين في المناطق الخاضعة لسيطرة “الجيش الحر” الذي تشكل لحماية المدنيين من بطش الأسد وجيشه.

اعتقلت قوات النظام السوري منذ بداية الثورة حتى يومنا هذا الآلاف من السوريين، معظمهم مغيبون في أقبية السجون أو لقوا حتفهم فيها، ومنهم من أفرج عنه، لكن صدَمته طريقة تعامل مجتمعه معه، والنظرة السلبية تجاهه خاصة إذا كان المفرج عنه: امرأة.  رنا سليمان الآغا، “أم بسام”، شابة سورية تعرضت للاعتقال من قبل قوات النظام في محافظة دمشق أثناء تنقلها بين مناطق سيطرة النظام و”الجيش الحر”.

سبب الاعتقال

كانت رنا تقطن في المناطق الخاضعة لسيطرة “الجيش الحر” في حي برزة الدمشقي. وهي تبدأ برواية قصتها لـ “بوابة سوريا” قائلة: “قبل اعتقالي كنت أعمل في مطعم لتحضير السندويش والوجبات الجاهزة في القسم التابع لقوات النظام في حي برزة، وذلك بسبب قلة العمل في مناطق الجيش الحر، بغية تأمين لقمة العيش لأطفالي الثلاثة وزوجي، وكنت أساعد قوات “الجيش الحر” بإدخال السلاح لهم من مناطق سيطرة قوات النظام إلى جانب الحوالات مالية والمواد الغذائية التي كنت أستطيع إدخالها، وذلك عبر دفع أموال لضباط للنظام”.

وتتابع: “في أحد الأيام طلب مني ابن عمي، وهو أحد عناصر الجيش الحر، إدخال فتاة من مناطق سيطرة النظام إلى مناطق الحر في حي برزة ليتزوجها، وتوجهت إلى مكان اتفقت فيه مع الفتاة للقائها بتاريخ 18 تشرين الأول 2016، إلا أني اصطدمت بضباط للنظام في المكان المتفق عليه وألقوا القبض علي”.

فترة الاعتقال

تقول “أم بسام”: “أُلقي القبض عليّ وعلى الفتاة، وتم اقتيادي معصوبة العينين إلى فرع الخطيب في دمشق، وفيه قسم مخصص للنساء، وبدأت التحقيقات معي من قبل ضباط يهرب وصف الحقارة منهم بسبب سوء معاملتهم للنساء، وضُربت عدة مرات أثناء التحقيق، وفي إحداها خُلع حجابي وكُسر فكي وأُغمي علي وبقيت في غيبوبة لثلاثة أيام في مشفى الفرع. لم يكتف ضابط التحقيق بتعذيبي، بل عمد لاسترجاع ملفات هاتفي الخاص المحذوفة، وبدأ يشاهد صوري وفيديوهاتي مع أطفالي وزوجي أمامي والتلفظ في عبارات لا تخرج إلا من شبيحة الأسد”.

وتضيف: “أجبرني التعذيب على الاعتراف بأشياء لم أقترفها، وبقيت قرابة شهرين لم أستطع فيهما إبلاغ أهلي بمكاني، حتى استطعت إخبارهم عن طريق اتصال هاتفي من داخل السجن، ووكلوا لي العديد من المحامين لكي أٌعرض على القاضي الذي حكمني بدوره بالسجن لمدة 11 شهراً بتهمة “التكتم على الإرهاب”، والتي تعد واحدة من أخف الأحكام في ذاك السجن”.

وجهاً لوجه مع المجتمع

“أصوات التعذيب لاتفارق بالي، ودماء الشبان في غرف التعذيب لا تغادر مخيلتي، ضغوط نفسية واضطرابات شديدة تعرضت لها في المعتقل وبعد خروجي منه، وموت أمي بعد مرضها بسبب دخولي السجن. 11 شهراً فترة كانت كفيلة بتغيير مسار حياتي”. بهذه العبارات اختصرت رنا مسيرة اعتقالها وما بعده.

وتشرح واقعها بعد خروجها من السجن بالقول: “بعد خروجي من السجن ورؤيتي الواقع السيء الذي تمر به الغوطة الشرقية من قصف شديد وموت أمي وافتراق أقاربي بسبب الحصار وقصف منزلي، زادت حالتي سوءاً، لكن الأمر الذي كان أكثر سوءاً هو اصطدامي بمجتمع لا يرحم، فكلام أبناء حيي ومسارعتهم إلى سؤالي إن كنتُ قد تعرضت للاغتصاب قبل السؤال عن حالي وحال أطفالي وعائلتي، سبب لي أزمة نفسية أعاني منها حتى يومنا هذا”.

واجهت رنا الأشخاص الذين وجهوا لها ما وصفته بـ “الإهانة” لدى سؤالها عن مسألة “الاغتصاب” في السجن، وكان ردها: “ضعوا أنفسكم مكاني، وتخيلوا أن تسألوا ذات السؤال، لماذا تصرون على تشويه سمعة المعتقلات، انتبهوا، فربما تتعرض أي امرأة لما تعرضت له”، وكانت تتصدى بالكلام لكل من يمس المعتقلات بأي كلام مسيء.

لم تبق “أم بسام” في الغوطة الشرقية، بل هجّرتها قوات النظام مع عائلتها ومع الكثير من الأهالي إلى مناطق إدلب شمال سوريا، وتابعت حياتها رغم كل الظروف الصعبة التي تعصف بمعظم القاطنين في تلك المناطق، وهي تحاول التخفيف عن نفسها من عناء ما مرت به في سجون الأسد.

انضمت رنا مؤخراً لمنظمة “معتقلات رزقن الحرية”، لتعود وتندمج في المجتمع من جديد وبشكل أقوى مما كانت عليه قبل اعتقالها.

رنا سليمان الآغا واحدة من السوريات اللواتي ذقن مآسي الاعتقال والتعذيب، وتعرضن للإهانة ممن حولها، فإلى متى ستستمر هذه العقلية التي تؤثر بشكل سلبي على حياة المرأة في مختلف المجالات، وإلى متى سيبقى الصمت الدولي حيال ما يجري في سجون الأسد؟!!

 

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments