الصفحة الرئيسية رأي وتحليل سوريون في أم الدنيا.. بين ترحيب تاريخي وإجحاف جغرافي

سوريون في أم الدنيا.. بين ترحيب تاريخي وإجحاف جغرافي

 

سوريون يبحثون عن حياة آمنة، مع بداية أوضاع سورية متفجرة، عندها شد الكثير من السوريين الرحال إلى القاهرة.. لكن ظروف المعيشة الصعبة في مصر انعكست كذلك على السوريين. مصر كباقي دول الجوار السوري..نعم واقع ووضع اللاجئين السوريين يختلف ويتقلب تمامًا كباقي أوضاعهم في باقي دول الجوار، ولا يختلف حال اللاجئين السوريين في مصر كثيرًا عن أحوال باقي السوريين في دول اللجوء، ومن غير المستغرب أن تؤثر المشكلات السياسية التي تجري حولهم سلبًا على واقعهم الاجتماعي والاقتصادي. وحول واقعهم في مصر.
سبق أن أبدت الحكومة المصرية تحفظها على أربعة من بنود الفصل الرابع الخمسة من الاتفاقية الخاصة بأوضاع اللاجئين للعام 1951، ما يعرف ببنود ‘الرعاية’، ولا يحق للاجئين المقيمين في مصر الاستفادة من التوزيع المقنن “للمنتجات غير المتوافرة بالقدر الكافي” (المادة 20) أو التعليم الرسمي (المادة 22)، أو “الإسعاف العام” (المادة 23) والوصول إلى سوق العمل والضمان الاجتماعي (المادة 24).
يزيد من تفاقم هذه الآثار  الغياب المستمر لأية أحكام، ما عدا الزواج من مواطن مصري، تتيح للاجئين من جنسيات أجنبية الحصول على الجنسية المصرية حتى في حال عدم تمكنهم من العودة إلى بلدانهم الأصلية. كذلك، فإن على اللاجئين التعامل مع المشاعر المعادية للأجانب والتي يمكن أن تتحول بسرعة كبيرة إلى  عنصرية عنيفة كما هي حال اللاجئين الأفارقة من ذوي البشرة الداكنة بصورة خاصة. عند النظر إلى هذه العوامل كاملة، لا يبدو أن للاجئين في القاهرة أي أمل فعليًا في الاندماج. أما بالنسبة للمجموعات الشديدة الضعف (ومنها مثلاً: الأقليات الدينية وضحايا الاتجار الذين يواجهون شواغل الحماية المستمرة)، وللمجموعات من ذوي الحاجات المحددة (الأمهات الوحيدات مع أطفال، والحالات الصحية)، فإن الأمل الوحيد في البقاء هو إعادة التوطين في بلدٍ آخر. وليس هذا الحل بالسهل وإن إجراءات إعادة التوطين غاية في التعقيد وإن عدد الذين ينجحون فيها لقليل.
سبق أن صدر قرار الحكومة المصرية باشتراط حصول المواطن السوري على تأشيرة دخول قبل دخوله إلى مصر بشكل مفاجئ يوم 8 تموز/ يوليو 2013، وطبق في أول الأمر على ركاب طائرة الخطوط السورية رقم 203 القادمة إلى مصر من اللاذقية، والتي كانت في الجو عندما صدر القرار. كما مُنع مئات من السوريين المقيمين في مصر، والذين تصادف وجودهم خارج مصر قبيل إصدار القرار، من الدخول إليها. فيما سمح لبعض الحالات المحدودة بالدخول بعد تدخلات سياسية، ولم يسمح لبقيتهم، وأجبروا على المغادرة. وبعد مرور أكثر من شهر على صدور القرار، فإنّ كل الحالات التي علمت عنها اللجنة السورية لحقوق الإنسان لمواطنين سوريين تقدّموا للحصول على تأشيرة الدخول المصرية في عدد من الدول، لم يحصلوا عليها إلى.
لقد طالبت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مصر في بيان أصدرته في 26 تموز/ يوليو 2013 إلى توفير الحماية للاجئين، وطلبت تسهيل مقابلتها لهؤلاء المحتجزين، وتقديم ضمانات بعدم ترحيلهم لسورية، وضرورة أن تتاح لهم إجراءات قانونية عادلة. وناشدت المفوضية الحكومةَ المصرية ضرورةَ العمل لضمان ألا تؤدي أية إجراءات احترازية تتعلق بالوضع الأمني الراهن في البلاد إلى حرمان اللاجئين من المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان أو مسؤوليات مصر الدولية في توفير الملاذ والحماية للاجئين.
لقد دخل السوريون إلى العديد من المجالات الخدمية والصناعية في مصر، وتوسعت استثماراتهم في مجال المطاعم والصناعات الغذائية والحرف التقليدية، إلى جانب صناعات المنسوجات وتجارة العقارات والأراضي. غير أن عمل السوريين واستثماراتهم في مصر كانت في الآونة الأخيرة مثار حملة ضدهم بزعم أنها تمول أنشطة مشبوهة وتدير أموالًا مشبوهة لصالح جماعات “إرهابية” بحكم القانون في مصر.
هي مذكرة للنائب العام وفي هذا الإطار تقدم المحامي المصري سمير صبري بمذكرة إلى النائب العام يطالبه فيها بوضع الاستثمارات السورية في مصر تحت الرقابة القانونية، وفحص بعض البلاغات التي تشير إلى تورط بعض المستثمرين ورجال الأعمال السوريين في مصر في تمويل أنشطة إرهابية. وطالب صبري في بلاغه باتخاذ الإجراءات القانونية للكشف عن مصادر أموال السوريين الوافدين، معتبرًا أنهم غزوا المناطق التجارية في أنحاء مصر، واشتروا وأجروا المتاجر بأسعار باهظة، واشتروا الشقق والفيلات، وحولوا بعض ضواحي العاصمة المصرية إلى مدن سورية، وأبدى صدمته مما وصفه بالنمط السائد للعلاقات الاستهلاكية المبالغ بها والترف المفرط لكثير من هؤلاء السوريين قاطني هذه المناطق. وقال صبري: “قدرت إحصاءات حجم استثمارات رجال الأعمال وأصحاب رؤوس الأموال السوريين، والذين انتقل معظمهم للإقامة في مصر بعد بدء الأزمة، بـ(23 مليار دولار)، معظمها مستثمر في عقارات وأراض ومصانع ومطاعم ومحلات تجارية وغيرها، وبات السوريون يملكون أهم مصانع الملابس والنسيج، كما سيطر بعضهم على مناطق تطوير عقاري في أهم وأرقى المناطق المصرية.
هنا يتدخل التاريخ قبل الجغرافيا، لتنظر الغالبية العظمى من المصريين إلى السوريين على أنهم أخوة وأشقاء، ومن خلال جولة لـ(بي بي سي)بسيطة لسؤال المواطنين في شوارع القاهرة عن مدى رضائهم عن وجود السوريين في مصر والأنشطة التي يعملون بها، بادر أغلبهم بالقول إن السوريين يمثلون “نموذجًا ناجحًا للانسان الذي يستطيع النهوض من جديد، وبناء ذاته بعد فقد كل شيء.
الواقع أن الأرقام الصادرة من الأمم المتحدة تشير إلى أن إجمالي الأموال التي استثمرها السوريون في مصر منذ اندلاع الثورة في بلدهم في مارس/ آذار عام 2011 يقدر بنحو 800 مليون دولار، من خلال 30 ألف مستثمر مسجل بالفعل لدى السلطات المصرية. كما تفيد احصائيات المفوضية السامية لشئون اللاجئين إلى أن عدد السوريين المقيمين في مصر والمسجلين لديها يبلغ 130 ألفًا، بينما تتحدث التقارير الحكومية المصرية إلى أن عددهم يتراوح بين 250 ألفا إلى 300 ألف سوري.
يبقى في النهاية أنه في حين نجد حجم أزمة اللاجئين السوريين يمثّل تحدّيًا صعبًا، يجب أن تُفهم استجابة الحكومات المصرية المتعاقبة منذ 2011، لتدفق اللاجئين السوريين باعتبارها استمرارًا للاستجابة التاريخية… كذلك لم يكن مفاجئًا أن يُظهر الشعب المصري الاستجابة الإقليمية الأكثر تطورًا تجاه أزمة اللاجئين السوريين من بين جميع شعوب البلدان المضيفة المجاورة الكبرى. عليه فهذا الوضع المؤسف يقتضي ويسلط الضوء على أهمية الدعم القانوني للاجئين لضمان حمايتهم الجسدية ومساعدتهم على المناصرة لحقّهم في الحصول على الخدمات القضائية وتثبيته بالإضافة إلى الحصول على الدعم النفسي الاجتماعي الذي يخولهم التعامل مع التحديات المختلفة التي يواجهونها في حياتهم اليومية.